في صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي أَحْضَرَ سُفْيَانُ الفُطُورَ لِلشَّاعِرِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا سَيَفْعَلُهُ - كَعَبْدٍ. ثُمَّ أَخَذَهُ فِي جَوْلَةٍ حَوْلَ مَنْزِلِ السَّيِّدِ. اكْتَشَفَ الشَّاعِرُ أَنَّ المَنْزِلَ لَمْ يَكُنْ صَغِيراً كَمَا بَدَا لِلْوَهْلَةِ الأُولَى. فِي الوَاقِعِ كَانَتْ هُنَاكَ ثَلَاثَةُ مَنَازِلَ صَغِيرَةٍ مُتَجَاوِرَةٍ تُشَكِّلُ نَوْعاً مِنَ المُجَمَّعِ. كَانَتْ هُنَاكَ أَيْضاً آبَارٌ قَرِيبَةٌ وَمَا بَدَا كَمَزْرَعَةٍ حَوْلَ المَبْنَى بِالكَامِلِ. كَانَ هُنَاكَ حَظِيرَةٌ كَبِيرَةٌ لِلْمَاشِيَةِ وَإِسْطَبْلٌ لِلْخُيُولِ وَالبِغَالِ. قَالَ الصَّبِيُّ: سَتَكُونُ أَعْمَالُكَ فِي الغَالِبِ فِي الهَوَاءِ الطَّلْقِ. أَمَّا هِنْد فَهِيَ تَقُومُ بِأَشْغَالِ البَيْتِ وَبِأَعْمَالٍ أُخْرَى فِي الدَّاخِلِ.
وَمَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ وَجَدَ الشَّاعِرُ نَفْسَهُ يَقُومُ بِبَعْضِ الأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ. كَانَ يَجْلِبُ المَاءَ مِنَ الآبَارِ، وَيَسْقِي المَاشِيَةَ، وَيَجْلِبُ الحَطَبَ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ. كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْغَلُ مُعْظَمَ وَقْتِهِ هُوَ رَعْيُ المَاشِيَةِ فِي الأَرَاضِي القَرِيبَةِ. لَكِنَّهُ تَوَقَّعَ عَمَلاً أَصْعَبَ وَمُضْنِياً بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ مَوْسِمِ الحَرِّ.
كَانَ سُفْيَانُ يَلْتَقِي كَثِيراً بِالشَّاعِرِ. كَانَا يَتَجَاذَبَانِ أَطْرَافَ الحَدِيثِ (بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ اللَّهْجَاتِ)؛ وَكَانَا يَلْعَبَانِ مَعاً... وَلَكِنَّ الشَّاعِرَ كَانَ فِي أَشَدِّ الحَاجَةِ إِلَى صُحْبَةِ امْرَأَةٍ. فَلَمْ يَكُنْ قَدْ رَأَى حَتَّى ذَلِكَ الوَقْتِ سِوَى هِنْد وَفَتَاةٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا كَانَتْ تَرْعَى أَغْنَامَ وَالِدَيْهَا فِي الأَرَاضِي المُجَاوِرَةِ. وَلَمْ يَكُنْ بِوُسْعِهِ أَنْ يَقْتَرِبَ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمَا. وَلِكَيْ يَسُدَّ هَذَا الفَرَاغَ اكْتَفَى بِالتَّفْكِيرِ فِي زَوْجَتِهِ سُلْطَانَةَ. وَمِنَ الغَرِيبِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ فِي يَامْنَة كَمَا كَانَ يُفَكِّرُ فِيهَا مُنْذُ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِالبَعِيدَةِ.
خِلَالَ هَذِهِ الأَيَّامِ الأُولَى، نَادِراً مَا كَانَ الرَّجُلُ العَجُوزُ - وَاسْمُهُ عَاصِم - يَتَحَدَّثُ إِلَى الشَّاعِرِ أَوْ يَجْلِسُ مَعَهُ. حَتَّى فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَكُونَا يَلْتَقِيَانِ. وَكَانَ الشَّاعِرُ لَا يُؤَدِّي صَلَاتَهُ إِلَّا عِنْدَمَا يَكُونُ عَاصِم مَوْجُوداً. وَاسْتَمَرَّتِ الأَيَّامُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ حَتَّى جَاءَ صَبَاحٌ بَعْدَ بِضْعَةِ أَسَابِيعَ. فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ أَتَى سُفْيَانُ إِلَى الشَّاعِرِ فِي المَرَاعِي وَأَخْبَرَهُ أَنَّ جَدَّهُ يُرِيدُهُ. عَادَ الشَّاعِرُ إِلَى المُجَمَّعِ، وَهُوَ يُفَكِّرُ فِي الطَّرِيقِ. وَجَدَ عَاصِماً فِي غُرْفَةِ الضُّيُوفِ. قَالَ عَاصِم: اجْلِسْ. فَجَلَسَ الشَّاعِرُ. ثُمَّ قَالَ عَاصِم: أَخْبِرْنِي قِصَّةَ حَيَاتِكَ مَرَّةً أُخْرَى.
تَغَلَّبَ الشَّاعِرُ عَلَى ارْتِبَاكِهِ، ثُمَّ بَدَأَ السَّرْدَ. وَعِنْدَمَا انْتَهَى، وَقَفَ الرَّجُلُ العَجُوزُ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَهُ. وَخَرَجَ الِاثْنَانِ مِنَ المَنْزِلِ وَاتَّجَهَا نَحْوَ سَقِيفَةٍ فِي الجُزْءِ الخَلْفِيِّ مِنَ المُجَمَّعِ. قَالَ عَاصِم، مُشِيراً إِلَى السَّقِيفَةِ: هُنَا، سَتَجِدُ كُلَّ المَوَادِّ الَّتِي تَحْتَاجُهَا لِإِقَامَةِ خَيْمَةٍ. أُرِيدُكَ أَنْ تَنْصِبَ وَاحِدَةً هُنَاكَ. (أَشَارَ عَاصِم إِلَى بُقْعَةٍ فِي أَقْصَى مُؤَخَّرَةِ المَزْرَعَةِ.) أَوْمَأَ الشَّاعِرُ بِرَأْسِهِ مُوَافِقاً وَسَأَلَ:
مَتَى؟
اليَوْمَ. لَكِنْ تَعَالَ مَعِي الآنَ.
عَادَا إِلَى المَنْزِلِ. جَلَسَا جَنْباً إِلَى جَنْبٍ فِي غُرْفَةٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ لِلشَّاعِرِ. شَعَرَ الشَّاعِرُ بِالرَّهْبَةِ عِنْدَمَا دَخَلَ هَذِهِ الغُرْفَةَ. عَلَى أَحَدِ جَانِبَيِ الغُرْفَةِ كَانَتْ هُنَاكَ خِزَانَةُ كُتُبٍ ضَخْمَةٌ مُكْتَظَّةٌ بِالكُتُبِ مِنْ جَمِيعِ الأَحْجَامِ. بِالقُرْبِ مِنْ خِزَانَةِ الكُتُبِ كَانَتْ هُنَاكَ طَاوِلَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَيْهَا عَدَدٌ قَلِيلٌ مِنَ الكُتُبِ. كَانَ الشَّاعِرُ الآنَ مُنْدَهِشاً وَسَعِيداً. مُنْدَهِشاً لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ هَذَا، وَسَعِيدٌ لِأَنَّهُ يُحِبُّ النَّاسَ المُتَعَلِّمِينَ. قَالَ عَاصِم:
الآنَ، لَدَيَّ بَعْضُ الأَسْئِلَةِ لِأَطْرَحَهَا عَلَيْكَ.
سَأَكُونُ سَعِيداً بِالإِجَابَةِ، يَا سَيِّدِي.
أَوَّلاً، لِمَاذَا أَزْعَجْتَ أَمِيرَكَ؟
صَدِّقْنِي، يَا سَيِّدِي، إِذَا فَعَلْتُ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ فَقَدْ كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
لَقَدْ أَخْطَأَ بِحَقِّ زَوْجَتِكَ!
نَعَمْ، وَلَكِنْ-
لَقَدْ تَمَرَّدْتَ.
لَا، لَا، سَيِّدِي.
لَقَدْ قَصَدْتَ ذَلِكَ.
كَلَّا!
مَا كَانَ رَأْيُكَ فِيهِ؟
لَيْسَ صَالِحاً.
لِمَاذَا؟
لَمْ يُطَبِّقْ تَعَالِيمَ القُرْآنِ.
لِمَاذَا؟
لَا أَعْرِفُ.
لِمَاذَا؟
لَا أَعْرِفُ، وَهَذَا كُلُّ شَيْءٍ.
إِذَا كُنْتَ لَا تَعْرِفُ، فَسَأُخْبِرُكَ. إِنَّكَ لَا تَعْرِفُ شَيْئاً عَلَى الإِطْلَاقِ! أَنْتَ أَحْمَقُ تَمَاماً. (احْمَرَّ وَجْهُ الشَّاعِرِ وَفَغَرَ فَاهُ.) أَنْتَ شَاعِرٌ كَاذِبٌ. لَقَدْ أَهْدَرْتَ وَقْتَكَ فِي تَفَاهَاتٍ. لِنَفْتَرِضْ أَنَّكَ أُتِيحَتْ لَكَ فُرْصَةُ قَتْلِ أَمِيرِكَ، هَلْ سَيُحْدِثُ ذَلِكَ أَيَّ تَغْيِيرٍ فِي لْحْرِيم؟ لِنَفْتَرِضْ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ وَحَرَّرَ زَوْجَتَكَ، مَا الخَيْرُ الَّذِي سَيَعُودُ عَلَى لْحْرِيم مِنْ ذَلِكَ؟ أَخْبِرْنِي، كَمْ مِنْكُمْ كَانَ مُسْلِماً صَالِحاً؟ كَمْ مِنْكُمْ قَرَأَ القُرْآنَ وَالحَدِيثَ؟ كَمْ مِنْكُمْ فَهِمَ القُرْآنَ؟ كَمْ مِنْكُمُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَبَادَلَ الأَفْكَارَ مَعَ الأَمِيرِ؟ أَخْبِرْنِي! (كَانَ العَرَقُ السَّاخِنُ يَسِيلُ عَلَى رَقَبَةِ الشَّاعِرِ. شَعَرَ بِالخَجَلِ. لَمْ يَسْتَطِعِ الإِجَابَةَ. تَابَعَ عَاصِم:) وَمَاذَا عَنْكَ أَنْتَ شَخْصِيًّا؟ مَاذَا تَعْرِفُ؟ مَاذَا تَقُولُ فِي قَصَائِدِكَ؟ مَا هِيَ رُؤْيَتُكَ لِلْعَالَمِ؟ لِمَاذَا تَعِيشُ؟ مَا هِيَ الحُرِّيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لَكَ - مَا هِيَ الرُّجُولَةُ؟ أَخْبِرْنِي! (كَانَ الشَّاعِرُ يَسْتَمِعُ فَقَطْ، بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيْنِ. لَمْ يَجِدْ كَلِمَاتٍ لِيَقُولَهَا. اسْتَأْنَفَ عَاصِم:) لَقَدْ أَحْضَرْتُكَ إِلَى هُنَا لِلْبَحْثِ عَنِ الإِجَابَاتِ فِي هَذِهِ الكُتُبِ. (مُشِيراً إِلَى الكُتُبِ فِي خِزَانَةِ الكُتُبِ وَعَلَى الطَّاوِلَةِ.) أُرِيدُكَ أَنْ تَغْسِلَ دِمَاغَكَ وَقَلْبَكَ وَرُوحَكَ. وَسَأَنْتَظِرُ إِجَابَاتِكَ. الآنَ، قُمْ! عُدْ إِلَى المَرَاعِي. وَبَعْدَ الغَدَاءِ افْعَلْ كَمَا أَمَرْتُكَ: انْصِبِ الخَيْمَةَ حَيْثُ أَرَيْتُكَ. الآنَ اذْهَبْ!
سَارَ الشَّاعِرُ نَحْوَ المَرَاعِي وَرَأْسُهُ يَدُورُ مِنْ شِدَّةِ الحَيْرَةِ. لَمْ يَسْتَطِعْ فَهْمَ مَا كَانَ عَاصِم يَهْدِفُ إِلَيْهِ. عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى كَفْر حَانُون اسْتَقْبَلَهُ كَضَيْفٍ عَزِيزٍ. وَرُبَّمَا يَكُونُ لَدَيْهِ الآنَ حُرِّيَّةُ الوُصُولِ إِلَى مَكْتَبَةِ عَاصِم. لِمَاذَا كُلُّ هَذَا؟ لَمْ يَجِدِ الشَّاعِرُ جَوَاباً، لَكِنَّهُ كَانَ سَعِيداً.
بَعْدَ الغَدَاءِ، نَصَبَ الشَّاعِرُ بِمُسَاعَدَةِ سُفْيَان الخَيْمَةَ فِي المَكَانِ المُخَصَّصِ. وَجَهَّزَهَا بِحَصِيرَةٍ وَفِرَاشٍ وَسَجَّادَةٍ صَغِيرَةٍ وَبَعْضِ البَطَّانِيَّاتِ وَالوَسَائِدِ. وَعَادَ إِلَى المَرَاعِي. وَفِي المَسَاءِ أَخْبَرَهُ عَاصِم أَنَّهُ سَيَعِيشُ فِي الخَيْمَةِ مِنَ الآنَ فَصَاعِداً. كَانَ الشَّاعِرُ سَعِيداً بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ سَيُعْطِيهِ فُرْصَةً لِعَيْشِ حَيَاةٍ خَاصَّةٍ بِهِ. بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، زَارَ عَاصِم الشَّاعِرَ فِي الخَيْمَةِ. أَحْضَرَ مَعَهُ سُفْيَانَ وَثَلَاثَةَ كُتُبٍ. كَانَ الشَّاعِرُ مُبْتَسِماً. لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَ سُرُورِهِ. قَالَ عَاصِم:
كَيْفَ وَجَدْتَ هَذَا المَسْكَنَ يَا شَاعِرَنَا؟
لَطِيفٌ. يُنَاسِبُنِي جَيِّداً. شُكْراً لَكَ يَا سَيِّدِي.
وَمَاذَا عَنْ سُفْيَان؟
إِنَّهُ طَيِّبٌ. أَنَا أُحِبُّهُ.
جَيِّدٌ! الآنَ، يَا شَاعِرَنَا، انْظُرْ إِلَى هَذَا!
فَتَحَ عَاصِم أَحَدَ الكُتُبِ الثَّلَاثَةِ وَقَرَّبَهُ مِنَ الشَّاعِرِ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ!
نَظَرَ الشَّاعِرُ إِلَى الكِتَابِ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ وَقَالَ:
لَا أَسْتَطِيعُ.
لِمَ لَا؟
إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بِلُغَةٍ لَا أَتَحَدَّثُهَا.
فَتَحَ عَاصِم كِتَاباً ثَانِياً وَسَلَّمَهُ لِلشَّاعِرِ، ثُمَّ قَالَ:
وَهَذَا؟
أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذِهِ لُغَةٌ أُخْرَى، سَيِّدِي. لَا أَسْتَطِيعُ قِرَاءَتَهَا. أَنَا آسِفٌ. (شَعَرَ الشَّاعِرُ بِالخَجَلِ الشَّدِيدِ.)
وَهَذَا؟
نَظَرَ الشَّاعِرُ إِلَى الكِتَابِ الثَّالِثِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ بِخَجَلٍ:
هَذِهِ لُغَةٌ تُرْكِيَّةٌ. لَكِنَّنِي لَا أَفْهَمُ شَيْئاً.
رَائِعٌ! أَنْتَ لَا تَتَكَلَّمُ الفَارِسِيَّةَ؛ وَلَا تَتَكَلَّمُ اليُونَانِيَّةَ؛ وَلَا تَفْهَمُ التُّرْكِيَّةَ. يَا لَلْعَارِ!
ثُمَّ الْتَفَتَ عَاصِم إِلَى الصَّبِيِّ وَقَالَ بِنَبْرَةِ خَيْبَةِ أَمَلٍ: سُفْيَان، قُمْ! هَيَّا بِنَا!
وَقَفَ كُلٌّ مِنْ سُفْيَان وَعَاصِم وَغَادَرَا الخَيْمَةَ. لَمْ يَقُلْ عَاصِم حَتَّى عِبَارَةَ تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ. اخْتَفَتْ كُلُّ فَرْحَةِ الشَّاعِرِ فِي الحَالِ. كَانَ عَاصِم يُخَاطِبُهُ بِـ "شَاعِرِنَا"، وَهُوَ مَا يُفَضِّلُهُ دَائِماً عَلَى "سَلْمَان". كَانَ عَاصِم يُظْهِرُ لَهُ احْتِرَاماً كَبِيراً... وَالآنَ، فَجْأَةً، انْهَارَ كُلُّ شَيْءٍ. لِمَاذَا؟ لَمْ يَكُنْ يَتَحَدَّثُ الفَارِسِيَّةَ وَلَا اليُونَانِيَّةَ. وَلَا يَفْهَمُ التُّرْكِيَّةَ. يَا لِلْأَسَفِ!... وَلَكِنْ لِمَاذَا كَانَ عَاصِم غَاضِباً إِلَى هَذَا الحَدِّ؟ مَاذَا كَانَ الشَّاعِرُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ؟ لِمَاذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الشَّاعِرُ كُلَّ هَذِهِ اللُّغَاتِ؟ هَلْ كَانَ هَذَا جُزْءاً مِنْ عَمَلِ العَبْدِ؟ وَلَكِنْ بِمَا أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ - عَاصِم - يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا، وَلَدَيْهِ كُلُّ هَذِهِ المَكْتَبَةِ الغَنِيَّةِ وَكُلُّ هَذَا الحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلَى المَعْرِفَةِ… لِمَاذَا اخْتَارَ أَنْ يَعِيشَ فِي هَذَا الجُزْءِ القَصِيِّ مِنَ العَالَمِ؟ لِمَاذَا لَمْ يَذْهَبْ إِلَى القَاهِرَةِ أَوْ بَغْدَادَ أَوْ فَاس أَوْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ؟ كَانَ هَذَا مِنَ الصَّعْبِ فَهْمُهُ!
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَجِدِ الشَّاعِرُ فِي قَلْبِهِ الشَّجَاعَةَ - أَوِ الجُرْأَةَ - لِلذَّهَابِ إِلَى المُجَمَّعِ لِطَلَبِ عَشَائِهِ. لِذَلِكَ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ رَتَّبَ الكُتُبَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَرَكَهَا عَاصِم فِي الخَيْمَةِ عَلَى جَانِبٍ مِنَ السَّجَّادَةِ، وَأَطْفَأَ القِنْدِيلَ وَاسْتَسْلَمَ لِلنَّوْمِ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي كَانَ الشَّاعِرُ فِي المَرَاعِي. لَمْ يَكُنْ فِي مِزَاجٍ يَسْمَحُ لَهُ بِالدَّرْدَشَةِ أَوِ اللَّعِبِ مَعَ سُفْيَان كَمَا كَانَ يَفْعَلُ. كَانَ مُنْغَمِساً بِعُمْقٍ فِي أَفْكَارٍ حَوْلَ رَدَّةِ فِعْلِ عَاصِم فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ. كَانَ عَاصِم عَلَى حَقٍّ… كَانَتْ هَذِهِ فُرْصَةً ذَهَبِيَّةً يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِزَهَا عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ. وَلَكِنْ كَيْفَ؟ هَلْ يَكُونُ عَاصِم مُسْتَعِدًّا لِتَعْلِيمِهِ هَذِهِ الأَلْسُنَ؟ هَلْ كَانَ لَا يَزَالُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِوَضْعِ مَكْتَبَتِهِ تَحْتَ تَصَرُّفِ الشَّاعِرِ؟... مَاذَا سَيَحْدُثُ؟
ظَلَّتْ أَسْئِلَةُ الشَّاعِرِ بِلا إِجَابَةٍ لِأَيَّامٍ. وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَعُودُ فِيهَا إِلَى خَيْمَتِهِ فِي المَسَاءِ، كَانَ يَفْتَحُ الكُتُبَ وَيَتَأَمَّلُ صَفَحَاتِهَا الصَّفْرَاءَ بِحُزْنٍ. كَانَ يُحَاوِلُ جَاهِداً أَنْ يَفْهَمَ شَيْئاً مِنَ الكِتَابِ التُّرْكِيِّ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى. كَانَ فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ يَشْعُرُ بِالحُزْنِ الشَّدِيدِ حَتَّى أَنَّ الدُّمُوعَ كَانَتْ تَمْلَأُ عَيْنَيْهِ. وَلِإِضَافَةِ المَزِيدِ إِلَى بُؤْسِ الشَّاعِرِ، لَمْ يَعُدْ يُسْمَحُ لِسُفْيَان بِالذَّهَابِ إِلَى المَرَاعِي. وَبَدَأَ الشَّاعِرُ يَتَسَاءَلُ عَمَّا إِذَا كَانَ عَاصِم سَيَغْضَبُ مِنْهُ. وَبَدَأَ مَرَّةً أُخْرَى يَدْعُو اللهَ مِنْ أَجْلِ الخَلَاصِ.
وَلَمْ يَمْضِ ثَلَاثَةُ أَسَابِيعَ حَتَّى بَدَأَ الشَّاعِرُ يَرَى الضَّوْءَ فِي نِهَايَةِ النَّفَقِ. كَانَ فِي المَرَاعِي عِنْدَمَا جَاءَ سُفْيَانُ مُتَبَخْتِراً لِيُخْبِرَهُ أَنَّ عَاصِم يَنْتَظِرُهُ فِي غُرْفَةِ الضُّيُوفِ. بَقِيَ سُفْيَان فِي المَرَاعِي وَأَسْرَعَ الشَّاعِرُ إِلَى المُجَمَّعِ. وَفِي غُرْفَةِ الضُّيُوفِ وَجَدَ رَجُلاً فِي الخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ مَعَ عَاصِم.
قَالَ عَاصِم لِضَيْفِهِ مُشِيراً إِلَى الشَّاعِرِ: هَذَا سَلْمَان، خَادِمِي الجَدِيدُ. إِنَّهُ شَاعِرٌ.
أَوْمَأَ الضَّيْفُ، الَّذِي كَانَ يَرْتَدِي ثَوْباً أَسْوَدَ وَيَضَعُ صَلِيباً فِضِّيًّا عَلَى صَدْرِهِ بِرَأْسِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الشَّاعِرِ. وَأَشَارَ عَاصِم إِلَى القِسِّيسِ: وَهَذَا بُطْرُس، صَدِيقِي المَسِيحِيُّ. لَاحَظَ الشَّاعِرُ أَنَّ صَلِيبَ القِسِّيسِ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ إِلَّا إِذَا أَدَارَ رَأْسَهُ فِي اتِّجَاهٍ أَوْ آخَرَ، لِأَنَّ لِحْيَتَهُ تَدَلَّتْ عَلَى صَدْرِهِ وَغَطَّتِ الصَّلِيبَ. قَالَ عَاصِم: اجْلِسْ يَا سَلْمَان. فَجَلَسَ الشَّاعِرُ عَلَى مَسَافَةٍ مُحْتَرَمَةٍ وَخَفَضَ عَيْنَيْهِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ عَاصِم إِلَى لُغَةٍ أُخْرَى، رُبَّمَا كَانَتْ نَفْسَ اللُّغَةِ الَّتِي كَانَ يَتَحَدَّثُ بِهَا مَعَ بُطْرُس عِنْدَمَا دَخَلَ الشَّاعِرُ. وَاسْتَمَرَّ كِلَاهُمَا فِي حِوَارِهِمَا الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ. فِي البِدَايَةِ، اسْتَمَعَ الشَّاعِرُ بِاهْتِمَامٍ فَقَطْ لِيَرَى مَا إِذَا كَانَ يَسْتَطِيعُ تَخْمِينَ اللُّغَةِ الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِهَا الرَّجُلَانِ. لَمْ تَكُنِ اللُّغَةُ نُوبِيَّةً، كَانَ الشَّاعِرُ مُتَأَكِّداً. كَمَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُرْكِيَّةً. فَهَلْ كَانَتْ فَارِسِيَّةً أَمْ يُونَانِيَّةً؟ أَمْ لُغَةً أُخْرَى؟ لَمْ يَسْتَطِعِ الشَّاعِرُ أَنْ يَعْرِفَ. وَبَيْنَمَا كَانَ يَسْتَمِعُ - دُونَ أَنْ يَفْهَمَ أَيَّ شَيْءٍ - طَارَ عَقْلُهُ إِلَى لْحْرِيمْ... كَانَ لِلشَّاعِرِ مَنْزِلٌ هُنَاكَ، وَكَانَتْ لَهُ كَوْمَةٌ جَيِّدَةٌ مِنَ الكُتُبِ... نَعَمْ، كُتُبٌ. كَانَ هُنَاكَ الكَثِيرُ مِنْهَا. لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ - (تَنَهَّدَ الشَّاعِرُ)... اسْتَمَرَّ الرَّجُلَانِ فِي الحَدِيثِ. رُبَّمَا عَنِ الدِّينِ، كَمَا خَطَرَ عَلَى بَالِ الشَّاعِرِ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ. لَكِنَّ مَا أَذْهَلَ الشَّاعِرَ حَقًّا هُوَ هَذَا الِاحْتِرَامُ المُتَبَادَلُ الَّذِي يَتَحَدَّثُ بِهِ الرَّجُلَانِ مَعَ بَعْضِهِمَا البَعْضَ.. لَا بُدَّ أَنَّهُمَا صَدِيقَانِ حَقِيقِيَّانِ، إِذَنْ... عَادَتْ أَفْكَارُ الشَّاعِرِ إِلَى مَارْكُوس... أَيْنَ هُوَ الآنَ؟ هَلْ مَا يَزَالُ حُرًّا؟... وَيَامْنَة؟ وَهَارُون؟ وَسُلْطَانَة...؟ (تَنَهَّدَ الشَّاعِرُ مَرَّةً أُخْرَى) أُوهْ، سُلْطَانَة! وَقَالَ فِي نَفْسِهِ بِحَسْرَةٍ: لَوْلَا أَنْتِ، لِمَاذَا أَكُونُ أَنَا هُنَا؟ وَلَكِنْ هَلْ سَأَرَاكِ مَرَّةً أُخْرَى؟ تَنَهَّدَ الشَّاعِرُ مِرَاراً وَتَكْرَاراً. وَعَاصِم، الَّذِي لَا بُدَّ أَنَّهُ لَاحَظَ ذَلِكَ، كَانَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ. لَكِنَّ عَاصِم كَانَ عَلَى مَا يَبْدُو أَكْثَرَ اهْتِمَاماً بِحَدِيثِهِ مَعَ بُطْرُس مِنْ مِزَاجِ الشَّاعِرِ.
اسْتَمَرَّ حَدِيثُ عَاصِم وَبُطْرُس حَتَّى وَقْتِ الغَدَاءِ. عِنْدَهَا الْتَفَتَ عَاصِم إِلَى الشَّاعِرِ وَقَالَ (بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ): يُمْكِنُكَ الذَّهَابُ الآنَ. اذْهَبْ وَاطْلُبْ مِنْ هِنْد أَنْ تُعْطِيَكَ غَدَاءَكَ ثُمَّ عُدْ إِلَى المَرَاعِي وَأَرْسِلْ سُفْيَان لِتَنَاوُلِ الغَدَاءِ.
وَقَفَ الشَّاعِرُ بِخَجَلٍ وَانْحَنَى وَهُوَ يُغَادِرُ الغُرْفَةَ.
- هذه مهمتي
- اقتل الذئب
- سأبيعك
- القلادة
- ابني مجنون
- من هي سلطانة ؟
- النسخة الإنجليزية
- THE POET
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire