كان الشاعرُ يَرى أن بعضَ أفعالِ عاصم كانت طيبةً وضرورية، ولكن السببَ الذي دفعه إلى هذا التصرف ظل لُغزاً لا يُمكن فهمُه. وكثيراً ما كان الشاعر يُقارن سيدَه بسيدته السابقة يامْنة. وقد فَكر في هذا الأمر كثيراً حتى وجد نفسه في النهاية يُفكر في يامْنة أكثر من سَيده. ولم يكن ذلك بلا سبب. فقد عاش مع يامْنة لحظات من السُّرور الذي لا يوصف ـ وهو ما افتقده بشدة الآن. ولَعل هذا هو السبب الذي جعله يُولي اهتماماً كبيراً لابنة بطرس. (وبالمناسبة، كان الشاعر قد علِم الآن اسمَها الحقيقي: مريم). وحتى الآن كان يُفكر فيها، لأنه لم يكن يستطيع أن يرى يامْنة. ورغم أنه استأنف قراأته الليلية، فإنه لم يتوقف عن العزف على الناي أثناء وجوده مع القطيع. ولكي يَتحكّمَ في عواطِفه، كان يُحاولُ قدرَ استطاعته أن يَخشَعَ في صلاته. ولكي يُغَير الروتين كان يذهب من وقت لآخرَ للسباحة في البُحيرة. ولكن كل هذا لم يجعله سعيداً. لقد عادت غرائزُه الجامحة إلى الظهور من جديد، وربما بعنف أكثر من أي وقت مضى. حتى سفيان، الذي قَضّى مُعظَم وقتِه مع الشاعر في المَراعي، وكانا يتناولان العشاء أو الغداء معًا في الخيمة أحيانًا، لم يستطع إسعادَ الشاعر. والحقيقة أن سفيان نفسَه أصبح مصدرَ إزعاج الآن. فقد كان يرتدي ملابسَ خفيفة في كثير من الأحيان، وكان الشاعرُ يشعر أحيانًا بعدم الارتياح في وجوده. وكان يتذكر باستمرار تحذيرَ عاصم له: في المرة القادمة ستفعل ذلك بخادمتي أو ـ من يدري؟ ـ بحفيدي!... ولكن إلى متى سيُقاوم الشاعر؟
لقد حرص الشاعر على عَدَم ذِكر هذا الأمر لأي شخص، وتَحَمَّل معاناته بصبرٍ لأيام طويلة. وكانت هذه الأيام تجلب له المزيد والمزيد من الحزن. وكان يَأمل بِصِدق أن يَفهم عاصم ذات يوم، ويُعطيه إشارة...
والآن، في طريق عودته من المرعى، فوجئ الشاعر بسماع عاصم يقرأ القرآن في الخيمة. كان صوتُ عاصم وقراءتُه جميلين لدرجةِ أن الشاعرَ فضَّل البقاءَ خارجًا والاستماعَ لبعض الوقت. كان عاصم يقرأ من سورة يوسف و... حقًا صوتُه وقراءتُه من شأنهما أن يُحَرِّكا دموعَ أيِّ مسلم صالح. كان الشاعر مفتونًا تمامًا بِما سَمِع وبكى. بَقي خارجًا حتى انتهى عاصم من سورة يوسف. ثم دخل الخيمةَ، وسلم على سيده وجلس بجانبه على السجادة. بعد لحظة من الصمت، تحدث عاصم وقال:
- كيف حالك يا سلمان؟
- أنا بخير، سيدي.
التفت عاصم وحدَّق في الشاعر لبعض الوقت، ثم نظر بعيدًا عنه وقال: لَو كُنتَ حَقّاً بخير ما تنهدتَ!
تنهد الشاعر بعمق، وظل صامتًا.
فقال عاصم بلهجة حازمة:ما بِك؟
فَتماسكَ الشاعر ورَدَّ وَهو يَبلعُ رِيقه:
- سفيان.
- ما به؟
تردد الشاعر مرة أخرى ثم قال:
- أشعر أن الشيطان أقوى مني هذه الأيام يا سيدي.
- أفهم.
وبعد فترةِ صمتٍ انفجر عاصم ضاحكًا. نظر إليه الشاعر بدهشة. ثم قال عاصم وسط الضحك:
- بالتأكيد كُنتما ستَظلان سعيدَين بزواجِكما ءأنت وسلطانةء لولا أن فقدتما عقلَيكما. حماقتُكما هي التي فرَّقَتكما.
- لستُ نادِماً على ذلك.
- آه، هذا رائع! رائع! رائع!
ثم ساد الصمت. فجأة، نظر عاصم إلى الشاعر وقال:
- غدًا سآخذُك إلى أسوان.
- إن شاء الله.
- هل تعلم لماذا؟
- أنا خادمُك يا سيدي.
- سأبيعك.
ارتجف قلبُ الشاعر. خفَض عينيه وظلَّ صامتًا. لم يَقُل عاصمُ المزيدَ حتى نهض ليذهب، بعد فترة. ثم قال دون أن ينظرَ إلى الخَلف: تُصبِحْ على خير.
مسكينٌ شاعرُنا. لم يستطع النومَ تلك الليلة. ظل قلبه يَنبُض بِسُرعة. كان رأسه يُؤْلمه كثيرًا كثيرًا. كان عقلُه يَدور. لقد شعر الآن أنه انتُزِع فجأةً من كل جُذوره. كيف له أن يَتخيل حياةً بدون هذا الرجل الرائع - عاصم.. نَعم، في بعض الأحيان كان يَبدو رجلاً مريرًا للغاية، لكنه لم يكن سَيئًا بَتاتاً. في الحقيقة، كان الشاعر يُحبه. كان يحترمه كسيِّد وكإنسان... هذه الأفكار جلَبت الدموع إلى عينَي الشاعر... ودعا ربّه... وانتظر.
في اليوم التالي كان عاصمُ والشاعرُ في طريقهما إلى أسوان. كان عاصم يمتطي حصانًا أبيض والشاعرُ يمتطي بغلًا أسود. تصرف عاصم وكأنه لن يبيع عَبده الحالي. في الواقع، كان كلاهما يتحدثان (عن أشياء تافهة)... وكأنهما ذاهبان للتَّسوق فقط. وحاول الشاعر جاهدًا إخفاء مَخاوفه، على أمَل ألا يَحدث الأسوأ.
استغرقَ سفَرُهما إلى أسوان يومين ونصفَ اليوم. وكانا قد قضَّيا الليلتَين السابقتين في مَنزِلَين لصديقين لعاصم. وفي أثناء ذلك كان الشاعر يُفكر ويَدعو رَبّه. وعندما وصلا أخيرًا إلى أسوان، توجّها مباشرة نحو سوق العبيد. كان الجوُّ حارًا جدًا ولم يكن السوق مُمتلئًا. فخرج رَجل من بين الحشد وهَرع إلى عاصم واحتضنه. وبعد تحيات طويلة، قال عاصم، مشيرًا إلى الشاعر: أريد أن أبيع هذا الفتى وأشتري مخلوقًا آخر.
أجاب الرجل، وهو ينظر إلى الشاعر من رأسه إلى أخمص قدميه:
- حسنًا. كم تطلبُ أجراً عليه؟
- دَعِ الناسَ يُزايِدون أولاً وسأَرى.
- حسنًا.
والتفتَ الرجلُ إلى الشاعر وقال: تعال معي!
حبَس الشاعر دُموعه وتبِع صديقَ عاصم. فَقادَه إلى مجموعة من العبيد وبَقي هناك مُنتظرًا. وبِيعت فتاةٌ من المجموعة بعشرين دينارًا. فتساءَل الشاعر مَن الذي سيشتريه الآن وبِأي ثَمن. فنظر إليه عاصم من بعيد. وكان الشاعر الآن على يقين تامٍّ من أنه لن يعود إلى كفر حانون. فانتظر بِقلَق، وقلبُه مُشتعل بعواطفَ مُضطرِبة. ثم نزل فتًى من المجموعة وتبِع سيِّدَه الجديد. وبعد فترة وجيزة وقف رَجل في الخمسين من عمره أمام الشاعر وتأمَّله. ثم التفت إلى التاجر وسأله عن الثَّمن. فأجابه التاجر: اثنا عشر ديناراً. فقال الآخر ساخراً: اثنا عشر ديناراً! ما الذي فيه يُساوي هذا القدْر؟ هل يَبيض ذهباً؟ ثم ابتعد. وتنَهَّد الشاعرُ ونظر مَرة أخرى إلى عاصم ـ الذي كان يُجهِد عينَيه الآن ليَرى ما الذي يَجري. ثم جاء رجل آخر فيما بعدُ ليَسأل عن ثَمن الشاعر. فقال التاجر: عشرة دنانير يا سيدي. فسَخِر ذلك الرجل أيضاً وابتعد. ثم بِيع فتًى آخرُ رشيقٌ ووسيمٌ للتَّو بخمسة عشر ديناراً! شعر الشاعر بالضآلة والهَوان. عادَ بذاكِرته إلى أيّامه السعيدة الضائعة مع سلطانة... وَإلى التقدير العالي الذي كان يَحظى به في القصر... وَإلى ليالي أحلامه مع يامْنة... حاوَل أن يَنسى كل شيء عن هذا السوق وهؤلاء الحمقى من حوله... لكن هُروبه لم يَدُم طويلاً. وافق رجلٌ على دفع ستة دنانير ثَمناً له، وكان عليه فقط أن يرى ماذا سيقول عاصم في هذا الشأن. قادَه تاجرُ العَبيد، صديقُ عاصم، إلى هذا الأخير وأشار إلى الرجل المُهتَم بالمجيء معه. انضَم الثلاثةُ إلى عاصم، الذي كان يقف بِمُفرده على أحد جانبَي السوق.
قال الصديقُ لعاصم: هذا الرجل يُريد شراءَ عبدِك بستة دنانير، ماذا تقول؟
التفت عاصمُ إلى الرجل وقال مُحاولاً كَبت ابتسامته:
- أطلب المزيد!
- المزيد؟ كم؟
- ستين ديناراً.
- ماذا! ستين ديناراً؟ حتى أفضلُ الجواري المعروضات هنا لا يَستحقن هذا الثَّمن!
- إمّا أن تدفعَ ستين ديناراً أو ترحل بسلام!
- آه، ظننْتُ أنك تَمزح فقط. أَمَا وَ إنّك جادٌّ إلى هذا الحد، فسأَرحل! السلام عليك يا صديقي! وعلى... لُؤلُؤتك!
لم يَقل عاصم شيئاً وذهب الرَّجل. ثُم أَخذَ عاصمُ صديقَه جانباً وهَمس له بشيء. ثم تَصافحا وتَوادعا. وسار عاصم عائداً إلى الشاعر. حدَّق في وجهه لبعض الوقت، ثم قال أخيراً: لنَذهبْ!
سألَ الشاعرُ مُتردداً، وهو ينظر إلى الأرض:
- إلى أين؟
- إلى كفر حانون، طبعاً!
رفَع الشاعرُ عينَيه ومَسحتْ ابتسامةٌ جميلة كلَّ الكآبةِ عن وجهه. والواقعُ أن وجهَه سُرعان ما تَحول إلى قَمَرٍ مُتَوهج من السرور. سأل بسعادة:
- ألَن تبيعَني؟
- بِسِتين ديناراً نعم، بِستة لا!
انحنى الشاعرُ لِيُقَبِّل يدَ سَيده، لكن سيِّده سحَب يده وفتح ذراعيه ليَلُفَّهُما حول الشاعر.
بعدَ ثلاثةِ أيامٍ عاد الشاعرُ إلى كفر حانون. ومنَحه عاصم يوماً من الراحة. قضّى الشاعر مُعظمَه في العبادة والتوبة. وفي الليل، تناول العشاء وقرأ بضعة سُوَرٍ من القرآن الكريم، ثم نام نَومَ الأطفال الهادئين. وفي الصباح التالي كان مع سفيان في المراعي بجانب الغابة. لم يَنتبِه إلى مريم، لأنها لم تَعُدْ تجذبه كثيراً. وعند غروب الشمس قاد القطيعَ إلى الحظيرة وعاد إلى خيمته.
وعندما كان مُتَّجهاً نحو المُجَمع لأَخذِ عشائه في ذلك المساء، فوجئ برؤية امرأة تقترب منه وهي تَحمل شيئًا في يديها. فوجئ الشاعر لأنه لم يَر هنا امرأة طويلة مثل هذه. كانت تبدو أطولَ من هند، وربما أطول منه هو. ولم تكن مشيةُ هذه المرأة مألوفةً بالنسبة له. لذلك وقف وانتظرَها حتى اقتربت منه. قالت وهي تقف أمامَه: هل أنت سلمان؟ (قالتها بلُغة عربية لكن بلَكنة أجنبية.)
أجاب الشاعر بفضول: نعم. من أنتِ ؟
- اسمي سوزانا، لكن يُمكنك أن تُناديني سَوسن. أنا خادمةُ السَّيد عاصم الجديدة. خُذ. هذا عشاءُك.
مَدَّ الشاعرُ يديه ليأخذ الصينية. ثم قالَ، بينما استدارت سوسن للعودة إلى المجمع: شكرًا لكِ.
واستَدار الشاعرُ أيضًا على الفَور ومشى عائدًا نحو خيمته. كان يخشى أن يكون عاصم مُختبئاً في مكان ما ويُراقب.
سَوسن! سوزانا! سُحِر الشاعر بالاسم. كان قلبه يُزمجِر من أجلها، وما زال يَحترق من أجلها. كانت الليلةُ طويلةً، طويلة جداً. صلّى الشاعر وأطالَ في صلاتِه، ولكن الوقتَ كان طويلاً جداً... عندما استيقظ عند الفجر وجد نفسه ما يزال يُفكر... ويحلم بها. سوزانا! سوسن! هذا الاسم جعله ينسى كل الأسماء الأخرى. في المَرعى غنى لها. جالساً، ماشياً، مٌصلياً، كان يُفكر فيها بعمق. وظل ينتظر...
كانت سَوسن تتَسللُ إلى قلب الشاعر كُلَّ يومٍ بمقدار بوصة. وكان الشاعر يَكتفي بالتأمل والحُلم والتخَيُّل. وعندما تُحضِرُ له سوسن طعامَه كان يَنظر إليها بحنان ويبتسم لها مُعَبِّراً عن شُكره. ولكن بَدا وكأنه يسكُب الماء على الرمال. كانت سوسن كالصخرة الصلبة... كانت تحياتُها باردة. وكانت نظراتُها خاوية. لم تبتسم على الإطلاق... ومع ذلك فقد غرق الشاعر في حُبها أكثر فأكثر. وما كان يَستطع شيئاً إلا أن يَجلس ويُغمض عينيه ويُفكر في عينَيها الزرقاوين وشفتَيها الرقيقتين وأنفها الصغير وخدَّيها المُمتلِئين وصوتها العذب. ما كان يَستطع شيئاً إلا أن يُحبها عن بُعد ويَنتظر...
وبعد أسبوع طلبَ عاصمُ من الشاعر أن يَنصب خيمةً أخرى بجوار خيمته. ومن مَلامح عاصم ونَبرة صوته استنتج الشاعر أن هناك شيئًا ما يُهَيَّأُ. فنَصب الخيمةَ وجهَّزها. ومنذ اليوم التالي أصبحت الخيمةُ الجديدة بيتَ سوسن الجديد. ولم يستطع الشاعر أن ينام تلك الليلةَ ولا الليلة التي تَلتْها. فَفي النهار كان يبدو مُضطربًا، وكانت جارتُه لا تُحرِّك ساكناً. وفي الأيام القليلة التالية حاول جَذب انتباهها، ولكن دون جدوى. فقد نفَد صبرُ الشاعر. ومع ذلك، كُلَّما ناولَته سوسن وجباته، لم يستطع أن يفعل شيئًا. كان يَتنهد كالمريض الحزين ويلتزم الصمت.
ولكن الشاعر لم يستطع أن ينتظرَ إلى الأبد، لِذا فقد قرّر أن يُخبِر سيِّده. وهكذا حدَث أنه اغتَنم أول فُرصة سنحت له، وكانت عندما كان هو وعاصم يَركبان إلى سوق قريب. قال بِتردد، ولكن بحذر شديد: ... سيدي، هل لي أن أسألَك سؤالاً؟
ضحك عاصم بهدوء وقال:
- نعم؟
- بِكم اشتريتَ خادمتَك الجديدة؟
- خَمِّنْ!
- ستين دينارًا؟
انفجر عاصم ضاحكًا. ثم قال:
- ماذا، ستين دينارًا؟ أوه، لا! هل تَبلُغ قيمتُها ستين دينارًا؟ ما هذا الكلام؟ اشتريتها باثني عشر دينارًا.
- تبدو أنها تساوي أكثر من ذلك!
- رُبما.
وبعد لحظة من الصمت، تحدث عاصم مرة أخرى، وقال:
- كيف حالُها معك؟ هل هي جارةٌ جيدة؟
- حسنًا، إنها جَيدة. لكن-
- لكن ماذا؟
- أتمنى لو كانت تعيش بعيدًا عني.
ضحك عاصم وقال:
- لماذا؟
- لا أُريدك أن-
ضحك عاصم أكثر وهو يقول:
- لا تُريدُني أن أقطعَ رأسك؟
- إم... كما تعلم-
قال عاصم فجأةً وبِجدية:
- هذه الخادمة لك!
فزع الشاعر واستدار وفغَر فاه، وقال بصوت عالٍ:
- لي أنا؟
- نعم. ألا تستحقها؟ أم أنك لا تريدها؟
خفَض الشاعرُ عينَيه وأَطلق العِنان لخَياله. هل سيحصُل أخيرًا على امرأةٍ خاصة به؟
قال عاصم فجأة:
- هذه المرأةُ مسيحيةٌ، كما تَعلم. إنها من بلغاريا. لغتُها العربية غير واضحة. لكن أعتقد أنكما تستطيعان التَّفاهم. أَعجَبتني وقد اخترتها لك. (التزم الشاعرُ الصمتَ وهو يَستمع لِعاصم، الذي تَوقف ثم تابع:) سوسن ستكون زوجتك.
- قلتَ زوجتي - على الرغم من كونها مسيحية؟
- وما الضَّيرُ في ذلك؟ كلُّ هذا يَتوقف عليك.
رَد الشاعر بخجل:
- حسنًا، سيدي. لا أستطيع إيجادَ الكلمات لأشكرُك بها، سيدي.
- أنا من يَجبُ أن أشكرك يا سلمان! (استدار الشاعرُ واستمع بدهشة بينما واصلَ عاصم الحديث، وكأنه يتحث إلى نفسه:) نعم. أنا من يَجبُ أن يكونَ أكثر امتنانًا لك. لقد فشلتُ مع ابني. لقد فشلتُ في جميع المجالات. لقد حلمتُ بابنٍ مُختلفٍ تمامًا عن الذي رأيتَه. وكان عليَّ أن أُكَفِّر عن ذلك. لقد كان عليَّ أن أُرَبّي رجالاً مثل هؤلاء الذين حلمتُ بهم. (تَنَهد بعمق، وتوقف، ثم استأنف.) لقد فشِلتِ العديدُ من مُحاولاتي. لكنني، مع ذلك، فُزتُ في بعضها. آملُ أن تكون واحدًا من هؤلاء القلائل الذين فُزت بهم. أعتقد أنني فعلت ما كان ينبغي لي أن أفعلَه. آملُ أن يُقَدم آخرون مُساهماتهم الخاصة نحو تحقيق حُلمي الغالي. لكنني أعتمدُ عليك شخصيًّا حقًّا. من الآن فصاعدًا، لا تعتمدْ أبدًا على أي شخص للحصول على المَشورة. فَكِّرْ وفَكر وفَكر ثم قَرِّر وستكون رجلاً حقيقيًّا. تزوجْ وأنجِبْ أطفالًا وعلِّمهم إذا استطعت.
أجاب الشاعر بصوت مُرتجف، مُحاولًا حبسَ دموعه:
- سأفعل! أعِدك.
- إذن، الآن... أنت حرٌّ!
- أوه، شكرًا لك يا سيدي! شكرًا جزيلاً لك!
- لا! لا أَقصد أنك لم تَعُد خادِمي، عَبدي. (حدق الشاعر وخَفق قلبه. وتابع عاصم:) أنت كذلك! ما زلتَ خادمي. عندما قلت "حُر"، كنتُ أَعني أنك ستشعر بالحرية الحقيقية داخلَ نفسك. هل تعتقد أن ابني حر؟ سأقول لا. إنه ليس حراً. إنه عبد المال والهيبة والوفرة. إنه العبد المتواضع للمُجتمع الثَّري. إنه العبدُ الأليف لرَغبات زوجاته وأهوائه. إنه في المُجمَل عبدٌ للشيطان. الرجلُ الحرُّ حقًّا هو عبدٌ لله. وهذا ما أتمنى لك أن تكون عليه: عبدًا لله ومَلِكًا لنفسك.
- إن شاء الله.
- الآن غَنِّ لي شيئا.
وانفجر الشاعر بالغناء.
في الليل كان الشاعرُ سعيدًا. تَنَهَّدَ بعُمقٍ لكن تَنَهَُدَ مَن يشعرُ بالراحة بعد طول جُهدٍ وانتظار. أخيرًا سيُصبح رجلًا حقيقيًّا. رجلًا بقلبٍ رُجولي. سيُفكر ويُقرر ويَتصرف. هذا هو السِّر الذي تَمنى منذ فترة طويلة اكتشافَه. سيَقرأ أكثر فأكثر حتى يكونَ تفكيرُه صحيحًا. سيستمر في مُحاولة السّباحة بشكل أفضل، والرِّماية بسهولة أكبر، وأن يَركب الخُيولَ كما يَركبها الفُرسان... سيَتعين عليه أن يَتعلم كيف يَتعامل مع مشاكله الخاصة، وكيف يُدافع عن نفسه.
وقريبًا - قريبًا جدًا حقًّا - سيكونُ لديه زوجة. زوجة جميلة: سوزانا! يا لَه من اسم جميل!... سيَتزوج ويُنجِب أطفالًا ويُعلِّمهم. هذه هي النصيحة التي يَجب اتِّباعُها... لا، تمتَم الشاعر لنفسه: أنا لستُ ساذَجًا. هذه ليست سذاجة. هذا درسٌ جَيد... وهكذا فَكَّر... وانتظر بهدوء.
كان يومُ الزفاف يومَ خميس. وأُقيمت المَراسم في المُجَمع. وتَجمعت النساء في حُجرة، والرجال في حُجرة أخرى ـ في غرفة الضيوف المعتادة. وكان بُطرس وابنُه الأكبر من بين الضيوف الرجال الحاضرين. وكان هناك أيضاً عددٌ من أصدقاء أُسرة عاصم. وجلست مجموعة من ثلاثة مُغَنين بآلاتهم الموسيقية على جانب من الغرفة، وانتقلوا من أغنية إلى أخرى، بينما كان بعضُ الحاضرين يُصَفقون بأيديهم ويُرَددون الأغاني مع المُغَنين. وكان بعضهم يَطلب المزيد من هذا المغني أو ذاك. ولم يكن الشاعر لِيعرفَ ما يَحدث في الحُجرة الأخرى. ولكنه كان يَعلم أن كل زوجات حسن وخادماته، فضلاً عن نساء أُخرَيات من الكَفر وأماكن أخرى، كُنَّ هناك، يُحِطْنَ بِسوسن. وإلى جانب الغِناء، كانت تُقَدَّم وجبات دَسمة للضيوف وكان الجميع سُعداء.
وفي الليل كانت العَروس تنتظر في خيمة الشاعر. وكانت ترتدي ثوباً أبيض مُكشكَشا ووِشاحاً أخضر فاتحاً على الكَتفَين. وكان شعرها الأشقر يتدلى في خصلات. دخل الشاعر بِخجل، وحيّا عروسه باحترام، وجلس إلى جانبها على الفراش. وبِمُجرد أن جلس، ابتعدت العروس بِضع خطوات. وبعد لحظة من التَّردد، استدار الشاعر وسأل بصوت مُرتجف: لماذا تبتعدين عني يا حبيبتي؟ ألا تريديني؟
سكَتت سوسن. اقترب الشاعر منها. لم تَبتعد. رفع الشاعر يدَه ووضعها على خَدِّ سوسن. دفعت سوسن يدَ الشاعر دون أن تَنطق بكلمة. فَكَّر الشاعر قليلا. ثم نهض على قدميه واستدار. استلقى على السرير وظل يَنظر إلى ظَهر عروسه بصمت. فجأة، انفجرت سوسن بالبكاء. تركَها الشاعر تبكي بِحُرقة. ثم نهض وجلس مُنتصِبا خلْف ظَهرها مباشرة. ثم قال:
- لماذا تبكين يا حبيبتي؟
قالت سوسن بصوت خافت: اسكُت! (ثم بَكت لفترة طويلة، قبل أن تبدأ في الحديث.) يا لَللَّعنة! كما هي العادة، سقطتُ حيثُ لا أُريد أن أكون. كم أنا سيئة الحظ! يا لَللَّعنة!
قال الشاعر ببرودة: لا أفهم!
قالت سوسن وهي تُكَفكِف دموعها: أنا نفسي لا أَفهَم شيئا. كنتُ سعيدة في بيت والدَيّ. وفجأةً أصبحتُ جارية. وجارية لِمن! يا رَب! بدلاً من أن يقودني القدَر إلى أميرٍ، رَماني في أيدي أُناس - يا رَب! لماذا؟ ماذا فعلتُ لأستحقَّ مثل هذا المصير؟
ابتعد الشاعرُ بِضع خطوات إلى الوراء واستلقى على ظهره. طارت أفكارُه إلى ليلةِ زفافه الأولى. كانت سلطانةُ أيضا قد بَكَت. لكن الدموع التي ذَرفتها سلطانة كانت نظيفةً وجميلة. لقد ذَرفت دُموع الفَرح. قالت: أشعرُ وكأنني وُلِدتُ من جديد يا سلمان. معكَ، ستَرتدي الحياةُ لَوناً آخر...
وبَعدَ أقلَّ من ساعة في السرير، في ظلامٍ دامس، خرج هو وسلطانة وقضَّيا بَقية الليل في العَراء، تحت ضوء القمر. لم يَتعانقا هناك. فقط تَجوَّلا متشابِكَي الأيدي أو جَلسا جنبًا إلى جنب تحت شجرة نخيل، وتحدثا:
- سلطانة، هل تُحبيني؟
- نعم. أُحبكَ بِرُبع قلبي.
- فقط؟ ومن الذي نالَ شرفَ مَلء الثلاثة أرباع المُتبقية؟
- الله.
ثُم خَفق قلب الشاعر، وبكى فرحًا.
- القلادة
- ابني مجنون
- من هي سلطانة ؟
- النسخة الإنجليزية
- THE POET
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire