محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

اقتل الذئب

 اقتل الذئب

.

كانت الغابة تمتد على شكلِ نصف دائرةٍ حول قرية كفر حانون، وكان خلفها البُحيرة. وكان العديد من الناس يرعَون ماشيَتهم هناك. وكان هؤلاء الناس يُرسلون أولادهم أو بناتهم الصغار، أو كبارَ السن، لرعيِ القطعان. وكان سفيان قد جعل جسدَ الشاعر يرتجف بقصص عن الذئاب التي تأكل أغنام الناس الضالة في الغابة. ولكن هذا اليوم الأول مَرَّ بسلام. وعاد الشاعر دون أن يفْقد أي أغنام أو حمل. وشيئًا فشيئًا، اعتاد على هذا العمل. ومنذ البداية اختار ألاّ يختلط بصِغارِ الرُّعاة أو حتى كبار السن. كان يُبعِد قطيعه عن هؤلاء ويجلس في مكان ما على صخرة صغيرة أو يستظل بظل شجرة ويقرأ كتابًا.
 
وعند غروب الشمس، كان الشاعر يقود الأنعام إلى حظيرتها، وبعد العشاء كان يستلقي في السرير ويقرأ لبعض الوقت قبل أن ينام..

وكانت الأيام تمضي على هذا المِنوال حتى جاءت ليلةٌ لم يستطع فيها النوم بسبب تفكيره في سلطانة. فبقي يفكر ويبكي طوال الليل. وعندما طلع الفجر قرّر أن يتوب من خطاياه الماضية. فعَزم أن يصلي صلواته اليومية بانتظام، وأن يَقضي في الوقت نفسه كلَّ الصلوات التي فاتته. فَبدلاً من خمس صلوات، سيُصلي عشر صلوات يومياً. فَبدأ ذلك عند الفجر. وبعد الفطور قاد القطيع إلى الغابة. وقضّى مُعظم الليالي الخمس التالية في العبادة والتوبة. وكان يقرأ الكتب الدينية والقرآن أكثر من أي شيء آخر. لكن سُرعان ما تَخلى عن القراءة في الغابة. وبدلاً من ذلك، صَنع مزماراً وبدأ عادةَ العزف عليه أثناء وُجوده مع القطيع. وما لَبثَ أن أبعدته هذه العادةُ عن الكتب وصلاة الليل. وجعلته يُفكر في النساء أكثر من أي شيء آخر. وكانت "المرأة" التي جذبته للتّو فتاة في الثانية عشرة من عمرها... و لم تكن إلاّ ابنةَ بطرس. كانت هذه الفتاة ترعى غنم أبيها في الغابة، ليس بعيداً عن الشاعر. 

 لم يكن الشاعر يعرف اسمها، لكنه أطلق عليها اسم "حسناء" لشدة حُسنها وبهائها. لم يكن سفيان موجوداً في كفر حانون هذه الأيام، وتمنى الشاعر لو أنه كان هناك. فلو كان الأمر كذلك، لاستخدَمه الشاعرُ رسولاً. كان سفيان يتحدث القبطية، وهي اللغة التي تتحدثها حسناء. لم يكن الشاعر يفهم منها الكثير، ومن الواضح أنه لن يستطع الرد باللغة القبطية. لكن العشاق ـ كل العشاق ـ لا يحتاجون دائماً ـ على الأقل في البداية ـ إلى التحدث بلغة الحبيب.

ولَم ينتظرِ الشاعرُ عودةَ سفيان من بيت أبيه، بل قرّر أن يقوم بأولى مُحاولاته. فبدأ بتقريب قطيعه أكثر فأكثر من قطيع حسناء، دون أن يَقربَها شخصياً. لكنه كان يقتربُ كلَّ يوم. ثم بدأ يَرمُقُ الفتاة. وأحياناً كان يُوَجه نظره إليها بإِمعان. هي لم تَرُد عليه. لكن نظراتها كانت توحي بأنها على علم بمساعي الشاعر الشيطانية. وطال غياب سفيان أكثر مما يحتمل الشاعر. فلم يعد بوسعه أن يقرأ. وفي النهار كان يعزف على الناي في الغابة. وفي الليل كان يفكر في حسناء، وأحياناً في يامنة. وحتى عندما كان يُصلي لم يكن بوسعه أن يخشع في صلاته.

وفي أحد الأيام قرر أن يقوم بالخطوة التالية. فلَوّح بيده للفتاة من مسافة قصيرة. فحدَّقت فيه. وابتسم لها. فَلم تبتسم له. وراح يَهذي بكلمات لم تَسمع منها شيئا. فلَم تَرُد عليه. ثم نهض على قدميه وخطا خطوات نحوها مُبتسماً. نهضت هي أيضاً وأطلقت صرخة منخفضة وهَرولت بعيداً. تمتم الشاعر وقلبُه ينبض: لقد فعلتها! وبدأ يَعُد الساعات ليرى ردة فعل سَيّده.

عند غروب الشمس، سارع بإرجاع القطيع إلى الحظيرة وعاد إلى خيمته. كان خوفُه قد بلغ ذروته الآن. كان يعلم أنه قد عرّضَ نفسه لغضب عاصم المُطلق. وعند الغسَق، صلّى والدموعُ في عينيه ونارُ الخوف تَحرق قلبَه. بعد ذلك مباشرة، اندفع شابّان قَويّا البنية إلى الخيمة وأمسك كل منهما بذراع الشاعر وسحباه للخارج. لم يحتَجَّ الشاعر. فقط أصدر أنيناً خافتًا. كان عاصم يقف بجوار صليب خشبي. ودون انتظار إشارة منه، جرّد الرجلان الشاعرَ من سرواله وربَطاه بالصليب. قال عاصم للرَّجلين: يُمكنكما الذهاب الآن. وارجعا إليّ في الصباح الباكر. ألقى الرجلان التحية ثم ابتعدا. وعندما اختفيا عن الأنظار، التفت عاصم إلى الشاعر وصفعه مرتين على وجهه. فانفجر الشاعر باكياً بمرارة. قال عاصم عيناه تشتعلان بالغضب: لقد فعلتَ هذا الآن لابنة صديقي. في المرة القادمة ستفعل ذلك لخادمتي أو - من يدري؟ - لحفيدي!
وبينما بدأ الشاعر يتوسل طالباً الرحمة، ويُقَدم أعذاراً مجنونة، صفعه عاصم مرة أخرى، أقوى من المرة الأولى، وحدق فيه بازدراء، واستدار ليعود إلى منزله.

أمضى الشاعر تلك الليلة على الصليب، يبكي ويَلعن نفسه ويَتضرع إلى الله ليخلصه من هذه المحنة. وفي الصباح الباكر عاد الشابّان وهما يَحملان السوط في أيديهما. بقيَ عاصمُ واقفاً يَنظر إلى الرَّجلين وهما يضربان الشاعر كما يُضرَبُ العبد المارق. وعندما بَحَّ صوت الشاعر من البكاء، سار عاصم نحو الرَّجلين وأشار إليهما بالانسحاب. وعندما ذهبا، التفت عاصم إلى الشاعر وقال: من الصليب ستذهب مباشرة إلى القبر!

كان الشاعر يَلهث. ورأسه مُدَلّىً على صدره. وكان الجزء العاري من جسده يَحمل بوضوح علامات السوط الحمراء. ابتعد عاصم ولم يَعدْ حتى صارت الشمس أكثر إيلاماً لِجسده. لم يأتِ وحده، كان بطرس والفتاة معه. ألقى الشاعر نظرة عليهم جميعًا دون أن يُحَرك رأسه. وقف بطرس وابنتُه على مسافة قصيرة إلى يسار الشاعر وعاصم على يمينه. رفع الشاعر عينيه وكاد يُجَنُّ عندما رأى سكينًا في يد عاصم اليمنى. تدفقت الدموع من عينيه وارتجف جسدُه من قِمة رأسه إلى أخمص قدمِه. وضع عاصم يدَه اليسرى على كتِف الشاعر الأيمن ووجه نظرَه نحو بطرس، مُلَوِّحًا بالسكين، وقال: أقطع رأسه؟ ارتعب الشاعر وخارت قُواه. وتوسل بلا أنفاس طالبًا الرحمة. حدَّق بطرس فيه لبُرهة ثم أجاب بحزم: نعم! وعندما رفع عاصم السكين لِيُحقق رغبة صديقه، صاحت الفتاة قائلة: لا! لا! لا! ودفنت وجهها في ثوب أبيها. وأشار بطرس لصديقه بالانتظار. أبْعدَ عاصمُ السكينَ عن حلق الشاعر واستدار نحو الفتاة. وفي هذه الأثناء، استمر الشاعر في التوسل راجياً العفو. كشفت الفتاة عن وجهها ونظرت إلى الشاعر، ثم ألقت بنفسها مرة أخرى على أبيها، وهي تبكي: لا يا أبي، لا تقتُلاه! ألقى بطرس نظرة محبة وحَنان عليها والتفتَ إلى عاصم وقال: هذا يكفي! أطلِق سراحه! نظر عاصمُ إلى الشاعرِ واستدار بخُطواته نحو بطرس وقال: بطرس، أنا آسف على ما حدث. لِنذهبْ! وابتعد الثلاثةُ، تاركين الشاعرَ على الصليب.

بعدَ الظُّهر كان الشاعر في فِراشه وحيدًا. ولم يأت طبيبٌ لزيارته إلا في صباح اليوم التالي. وكان طوال الوقت يتأوه ويَئِن. ولكن بعد ثلاثة أيام، تحسنت حالته كثيرًا، وبدأ يتوق إلى العودة إلى المراعي لرؤية حبيبته - حسناء.. والحَقُّ يُقال، كانت فتاةً ساحرةً؛ وكان من الصعب ببساطة مقاومة فِتنتِها. في المساء التالي، جاء عاصم إلى الخيمة وجلس بهدوء بجانب الشاعر على الفِراش، وقال، مُظهِراً بعض التعاطف:
- كيف حالك؟
- بخير يا سيدي.
وبَعد صمتٍ لم يَدُم طويلا، قال عاصم، وهو يَنظر بعيدًا عن الشاعر:
- من تلوم على هذا؟
- لا أحد غيري. أعترف بذنبي، سيدي!
- كنتُ أعتقدُ أو أكادُ أن لديكَ قلبًا منسجمًا تمامًا مع مُيولِكَ للعبادة. ولكن - للأسف! - خَيبتَ أملي. لماذا فعلتَ هذا؟ ومع فتاةٍ صغيرة جدًا - طفلة حتى؟ ماذا حدث لك يا سلمان؟
امتلأت عينا الشاعر بالدموع. نظر إليه عاصم وكأنه ينتظر جواباً.
صاح الشاعر: أريد أن أتوب!
فَصمَت عاصم لِلَحظة ثم قال:
- هذا يكفي.
- لا. أريد أن أُشفي الجرح الذي في قلب الفتاة. لا يزال عليَّ أن أُصلِح ما أفسدتُه.
ابتسم عاصم وقال: كيف؟
تردد الشاعر لحظة، ثم ردَّ بصوت مُرتجف: أريد أن أعطيها الحَمَل الذي أعطيتني إياه.
زأَر عاصم ضاحكًا. وبعد لحظة من التفكير قال:
- غدًا سآخذك إلى هناك لتُعطيها الحمَل.
- شكرًا لك يا سيدي!
 
استقبل بطرس عاصم والشاعر استقبالاً طيِّباً. وقبِلت حسناءُ الهدية بشَغف. لقد كانت مُندهشة وسعيدة بالفعل. بل لقد كانت أكثرَ سعادةً عندما علِمت أن عاصم سيُعطي والدها ثلاثة خراف تعويضاً عن فقدان ثلاثة من خرافه عندما هربت هي بعيداً عن القطيع.
 
في ذلك اليوم نفسه، طلب عاصم من الشاعر أن يُخرج الأنعام إلى المرعى. وسَعِد الشاعر بذلك. لأنه سيتمكن من رُؤية حبيبته من وقت لآخر. ولكن سعادته انتهت في الأسبوع التالي. كان الظلام دامِساً في الخارج عندما دخل عاصم الخيمة حاملاً سِراجاً في إحدى يديه وسلة وسيفاً وسكيناً في الأخرى. قال وهو يدخل: قُم!
قفز الشاعر من فراشه وفغَر فاهُ.
قال عاصم وهو يضع على السجادة ما كان يحمله في يديه: خُذ. أريدك أن تذهبَ إلى الغابة الآن وتجلُبَ لي، في هذه السلّة، رأسَ الذئب الذي أكل غنم بطرس. أنت تعلمُ أنني دفعت ثلاثة من أغنامي مقابل ذلك! الآن قم وبسرعة!
حدَّق الشاعرُ في سَيده، ثم في الأشياء على السجادة، ثم في الفَراغ، قبل أن ينظرَ إلى عاصم مرة أخرى ويقول:
- هل أنت متأكد من أنه لن يكون هناك سوى ذئب واحد في الغابة؟ في هذه الليلة بالذات؟
- نعم! الآن قُم! على الفور! ماذا تنتظر؟
 
بالنسبة للشاعر، كان هذا يعني النهاية، نهايتَه. لكنه وقف، التقط السلة والسلاح وارتدى حذاءه وغادر الخيمة. وكُلما ابتعد عن الخيمة، شعر بِوَهنٍ في رُكبتيه. وفكّر... ماذا يفعل الآن؟ أيَهربُ؟ إلى أين؟ كيف؟ أيَذهبُ إلى الغابة؟... لِقتلِ الذئب وإحضار رأسه - كيف؟ هل هو يَقتل ذئبًا؟ لكن هذا جُنون! جنون مُطلَق! في الصحراء المُحيطة بلْحْريم، كان دائمًا يتهرب من الذهاب إلى أي مكان غير آمنٍ مَخافةَ وُجود ذئب أو أسد. وَواصلَ الشاعرُ السَّير وهو ينظر إلى اليسار واليمين. وكُلما اقترب من الغابة، زادت سرعة دقّات قلبه. توقف على بُعد بضعة أمتار من الغابة لالتقاط أنفاسه. حتى الآن، لم يستطع أن يُصَدِّق أن عاصم كان يعني بالفعل ما قاله... كان الجو شديد البرودة الآن. وارتجف الشاعر من البرد والرُّعب. ورغم أن ذئبَ عاصم لم يكن موجودًا في أي مكان، إلا أن الشاعر لم يَجرؤ بَعدُ على دخول الغابة. كان أولَ ما فكَّر في فعله هو أن يَجولَ حَول الغابة. وانطلق مُهرولاً وهو ينظر في كل اتجاه، مُمسِكاً بالسيف على أُهبة الاستعداد. وفجأةً أدرك تماماً ما كان يفعله. الآنَ وَعى الفرصةَ التي سنحت له. الآنَ فقط أخذَ عاصم على مَحمَل الجد. وبالتالي كان عليه أن يُطارِد الذئبَ ويقتلَه ويضعَ رأسَه في السلة. ألم يَقُل إنه ينبغي له أن يَنتهز كل فرصةٍ لاكتساب قلبٍ رُجولي؟ كانت هذه أفضلَ الفُرصِ على الإطلاق. لقد وصَمه الناس جميعاً بالجبن. والآن، كان عليه أن ينتقم لهذه الإهانة وأن يَرُدَّ الإعتبارَ لنفسه... وبينما كان الشاعرُ مَشغولاً بهذه الأفكار التي تُقَوي قلبه عَوى ذئبٌ في مكان ما على الجانب الآخر من الغابة. وكاد الشاعر يُبَلِّل سرواله. وشعر على الفور بدافع لِلهرب. ولكن إلى أين؟ كيف؟ وقف مُتجمِّداً في مكانه، وحاول التغلُّب على رُعبه. وفكر طوال الوقت... كان عاصم يعني ما قاله. هاهو الذئب. ربما كان هذا الذئب هو الذي أكل غنَم بطرس... ولكن ماذا يفعل؟ هل يُطارِد الذئب؟ خفق قلب الشاعر حتى كاد ينفجر. عوى الذئب ـ أو الذِّئاب ـ مرة أخرى. استجمع الشاعر شجاعته ورفع بصره إلى السماء وراح يُرَدد الأدعية، ثم تحرك مُتَردِّداً... في اتجاه العواء. سار على طول حافّة الغابة، وهو لا يزال عاجزاً عن المرور بين الأشجار. وسُرعان ما تلاشت شجاعتُه الزائفة. ومع ذلك فقد واصل طريقه ببطء، ينظر في كل اتجاه بعين حادّة ويستمع بأُذن حادّة. وكان يتوقف بين الحين والآخر ليستعيد أنفاسه. عوَت الذئاب ـ الآن تأكد الشاعر من وجود قطيع منها ـ مراراً وتكراراً. تباطأ سَير الشاعر وكاد يسير على رؤوس أصابعه... والآن توقف تماما. لم يَعُدْ بوُسعه أن يتحرك أكثر من ذلك. فقد وصل بالفعل إلى منتصف الجانب الآخر من الغابة. كان يَلهث، ورغم البرد، كان يتصبَّب عَرقًا. كانت الأشجار أمامه، لكنه كان يَلتفت هنا وهناك في كل لحظة للتأكد من أنه لم يُوقِع نفسه في مِصْيَدة. كانت يداه ترتعشان، وشعر بالسَّيف الآن أثقلَ. كانت عيناه تدوران. وكان يُفكر: أين هم الآن؟ "ها نحن هنا!" بَدا أن الذئاب سمِعت ورَدَّت على الفور. فقد عَوت الآن على بُعد مسافة قصيرة منه. فَذُعر الشاعر، فرفَع عينيه إلى السماء وتمتم بأدعية. ولَوَّح بسيفه الضخم وأَجهد عينيه ليرى ما الذي كان قادمًا نحوه. ظهر ذئبٌ بين الأشجار وحدَّق فيه. كاد الشاعر أن يُجَن من المشهد المُرَوِّع. ركض إلى الخلْف بينما ظل نظره على عينَي الذئب وأسنانه. وجاءت اللحظة المُرَوِّعة! قفز الذئبُ قفزةً قصيرة واتجه ببطء نحو الشاعر. ظهر ذئبٌ آخر خلْفه، وثالثٌ. وكان الشاعر أقربَ ما يكون إلى الجنون. وما إن قفَز الذئبُ الأول نحو الشاعر حتى اخترقَه سَهمٌ طويل من الجانبين. وأطلق الذئبان الآخران عواءً جُنونيًا وطارا بعيدًا عَبْر الأشجار. أمّا الذئبُ الذي أُصيب فقد سقط على الأرض وهو يزأر ويتأوه ويتلَوى، على بُعدِ بضعة أمتار فقط من الشاعر. لكن رُعبَ الشاعر لم يَهدأ. وبينما كان يقف ينظر إلى المخلوق المُحتضِر على الأرض، مَرَّ سَهمٌ على بُعد بوصات فقط من أنفه. فذُعر، واستدار بسرعة نحو المكان الذي جاء منه السهم. لم يستطع أن يرى أحدًا، واستولى عليه الرُّعب. وقف هناك مُرتعِباً حتى كسر صوتٌ بَشري صمتَ الغابة. تَعَرَّف الشاعرُ على الصوتِ على الفور. كان صوتَ عاصم. لم يستطع الشاعر أن يُصَدِّقَ أذُنيه ولا عينَيه عندما رأى عاصم قادمًا نحوه من المكان الذي ظهرت فيه الذئاب لأول مرة.
قال عاصم مُبتسماً وهو يضع يده على كتفِ الشاعر: ما زلت طفلاً يا مسكين! كان يَحمِلُ بيده الأخرى سيفاً وقوساً وسِهاماً. لم يستطع الشاعر أن يَتكلم. شعر بالخجل. قال عاصم بهدوء: هذه خطوةٌ أخرى على طريق طويل عليك أن تسلُكَه. والآن لِنَعُدْ إلى المنزل!استدار الشاعر بخطواته نحو المُجَمع. وَلَفَّ عاصم ذراعه حول ظهر الشاعر وانطلقا على مَهل.
قال الشاعر فجأة:
- أخبِرني يا سيدي. كيف عرفتَ أن الذئاب ستكون في الغابة في هذه الليلة بالذات؟ عندما رافقتُ السيدَ بطرس إلى منزله سمعتُ عواءهم ثلاث أو أربع مرات فقط؟
- لم أكن متأكداً من ذلك، لكنني قررت أن أُرسِلك الليلةَ. الآن، انسَ كل هذا وفكِّر في المستقبل. ماذا عن قِراأَتك؟ يبدو أن الفتاة استحوذت على كل تفكيرك، أليس كذلك؟
- لا، لا، سيدي. سأَقرأُ أكثر وأكثر!
 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire