محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

هذه مهمتي

 هذه مهمتي

.

  • كانت زيارةُ عاصم التالية لخيمة الشاعر بَعد أربعة أيام. كانت زيارةً مفاجئة. جاء بمُفرده، في المساء، ومعه وَجبَة عَشاء وكتاب. وعندما دخل، حيّا الشاعر بِبرود وجلس على حافة الفِراش. وضع الصينية التي تحتوي على العشاء على السجادة وانتظر الشاعر ليأخذها. لكن الشاعر تردد.
    قال عاصم بنفس البُرود: ألا تريد أن تتناول عشاءك؟
    (انحنى الشاعر ليأخذ الصينية.)
    قال عاصم: لا تلعب دور الأحمق معي!
    أخذ الشاعرُ الصينيةَ وتراجع وجلس منتصبًا وبدأ يأكل، دون أن يرفع عينيه.
    هذه المرة، قال عاصم بنبرة ودية للغاية: لقد أحضرتُ لك هذا الكتاب - (رفع الشاعر عينيه.) وآمل أن تستمتع به كثيرًا.
    أجاب الشاعر بصوت غير ثابت:
    - شكرًا جزيلاً لك، سيدي.
    - سآخذ الكُتب التي أعَرتُك إياها في المرة السابقة.
    - حسنًا، سيدي.
    قام عاصم، ووضع الكِتاب الجديد بجانب الشاعر ء- على السجادة - والتقط الكتُب الثلاثة الأخرى وانصرف، بعد أن تمنى للشاعر ليلة سعيدة.
     
    بعد العشاء، وضع الشاعر السِّراج بالقرب من وسادته على الفِراش وفتح الكتاب واستلقى على جَنبه الأيمن، مُتَّكئًا برأسه على ساعِده. وبدأ يقرأ بصوت عالٍ من بداية الكتاب. كان يقرأ الشِّعر العربي. قرأ الصفحة الأولى مبتسمًا ثم الصفحة الثانية؛ ولكن عندما وصل إلى أسفل الصفحة الثالثة، صرخ. لم يَعُد بإمكانه الاستلقاء على جنبه. جلس منتصبًا وواصل ترديد بيت من الشعر مرارًا وتكرارًا. في هذا البيت قال جميل بُثينة لحبيبته (بثينة)
    يَهواكِ ما عِشتُ الفُؤادُ فَإِنْ أَمُتْ يَتْبَعْ صَدايَ صداكِ بينَ الأَقْبُرِ
    هذه الكلمات العربية والإيقاع والصُّور... جعلت الشاعر يصرخ: "الله أكبر!"، وكأنه في ساحة معركة.
    عاد الشاعر إلى الكتاب وقرأ بيتاً بيتاً، قصيدةً قصيدة، صفحةً صفحة. وفي كل مرة كان يقرأ بيتاً جميلاً كان يصرخ بسعادة. وفي لحظة ما، لم يَعُد بوسعه أن يقرأ المزيد. فقد تغلبت عليه عواطفه الجامحة إلى الحد الذي جعله يضع الكتاب جانباً.
    في اليوم التالي، حاول الشاعر جاهداً أن يُؤَلِّف قصيدة "عِرفانٍ و امْتِنان" لِيُعَبِّر فيها عن شكره لعاصم، لكنه فَشل. وعندما التقيا في المساء، بالقرب من المُجَمع، كان عاصم هو الذي تحدث أولاً:
    - كيف وجدتَ الكتاب؟
    - أنا-أنا-أنا حقاً لا أستطيع أن أجد الكلمات لأشكرك بها، سيدي.
    - أجِب عن سؤالي: كيف كان الكتاب؟
    - إنه جوهرة حقيقية، سيدي.
    ضحك عاصم بهدوء وقال:
    - هذا لا شيء مقارنةً بالكتب التي ستقرأها اعتباراً من الغد.
    - غداً؟ أوه، دعني أُقَبِّل يدك، سيدي.
    انحنى الشاعر ليقبل يَد عاصم، لكن عاصم سحَب يده وقال:
    - هذه مهمتي. من الآن فصاعدًا، لستَ بحاجة إلى طلب الإذن لدخول مكتبتي والحصول على أي كتاب تريده. الشيء الوحيد الذي أريدك أن تفعله هو أن تقرأ بقدر ما تستطيع.
    انفجر الشاعر قائلاً والدموع في عينيه:
    - أوه، شكرًا لك يا سيدي! أعِدك بأنني سأبذُل قصارى جهدي.
    - إذن اذهب الآن إلى هند وخُذ عشاءك.
    لم يتزحزح الشاعر قَيد أنملة حتى اختفى عاصم في أحد المنازل التي تشكل المُجَمع.
     
    كانت تلك بدايةَ عددٍ من الأشهر السعيدة التي لم يُفكر فيها الشاعر أكثر من شيئين اثنين: القراءة أكثر فأكثر، والعودة ذات يوم إلى لْحْريم لتحرير سلطانة. في المساء، وأحيانًا في النهار في الحقول، كان يُطالِع الكتب التي تتناول مواضيع مختلفة (من أدب وطب وتاريخ ودِين وفلسفة (!) وما إلى ذلك). لكن كل هذه الكتب كانت باللغة العربية. كان في بعض الأحيان يقضي ليلة بلا نوم ليقرأ كتابا أعجبه. ومن وقت لآخر كان يلتي عاصم لمناقشة مواضيع تتعلق بالكتب.
     
    ومع مرور الشهور، كانت توقعات الشاعر تتزايد. وجاء وقت لم يعد فيه يعتبر نفسه عبداً. وأصبح عاصم بالنسبة له أباً ومعلماً أكثر منه سيداً، وأصبح حسن وسفيان بالنسبة له بمثابة شقيقين. كما أصبح بطرس، الذي كان يأتي كثيراً لزيارة عاصم، مألوفاً للشاعر ـ تماماً مثل طبيعة كفر حانون وطقسها. فكان الشاعر يلعب بمرح مع سفيان (كُلَّما أقام الأخير في كفر حانون)، ويتحدث من حين لآخر مع بطرس، ويناقش مواضيع مع عاصم. وكان يأكل ويشرب بحماس. وكان يرتدي ملابسه ويحلق ذقنه مثل أي شخص آخر. وبطبيعة الحال، كان ما يزال يُفكر في سلطانة ولْحْريم... لكنه لم يكن في عجلة من أمره للذهاب إلى هناك.
     
    وعندما مضت خمسة وعشرون يوماً على شهر رمضان المبارك، زار عاصم الشاعر في الخيمة، قبل صياح الديك بفترة. وشعر الشاعر بأن سعادته ستنتهي قريباً جداً. لم يَقل عاصم صباح الخير حتى جلس على أحد جانبي الفِراش. ولَمّا جلَس الشاعرُ بدأ عاصم سَيلاً من الأسئلة حول أسماء علماء، من أفلاطون إلى الإمام مالك. وأجاب الشاعر على كل سؤال بصعوبة. ثم قال عاصم وهو ينهض لمغادرة الخيمة: تعالَ معي. انتَعل الشاعر حذاءه على عجل وتبِع عاصم. اتَّجها نحو سقيفة. أحضر عاصم من السقيفة قوسًا وعشرات السهام وسلمها للشاعر، ثم قال: خذ هذا، واذهب إلى الغابة لتصطاد لي شيئًا. أريد أن أتَغذى به اليوم. أيا كان!
     
    تغلَّب الشاعر بسرعة على حيرته وانطلق إلى غابة قريبة، مُتِّبعًا الطريق الذي أَراه له عاصم. لم يجد الشاعر أحداً في طريقه. لكنه لم يَمُرَّ عبر الغابة، خوفًا من أن يُفاجئه أي مخلوق. في الواقع، كان أكثر حِرصًا على تَجنُّب الخطر من العودة ببعض الطرائد إلى سَيده. بعد فترة وجيزة، بدأت أصوات النعيق والخوار تملأ المكان. وبمجرد أن رأى الشاعر راعيًا قادمًا نحو الغابة، استدار وابتعد. لم يصطد شيئًا. ثم عاد إلى المُجَمع مُحبَطًا. نظر إليه عاصم بدهشة، لكن كل ما قاله كان: عُدْ إليَّ بعد الغداء. احتفظ بالقوس. اذهب!
     
    في الموعد المُحدَّد، أخذ عاصم الشاعرَ سيرًا على الأقدام إلى بُحيرة قريبة، على مسافة صغيرة خلف الغابة. وحالَما وصلا، طلب عاصم من الشاعر أن يَخلع ملابسه الخارجية وسَراويله وأن يَلُفَّ حول خِصره قطعة من القماش تكفي لإخفاء فَخذيه. (كان عاصم هو الذي أعطى القماش للشاعر). فعل الشاعر كل هذا (خلف شُجَيرة) دون أي حَرج، حيث لم يكن هناك أحد حوله. ثم عاد إلى حيث كان عاصم يقف. قال عاصم بصوت خافت: اغطُسْ!
    أجاب الشاعر بخجل: لا أستطيع الغَطس، لأنني لم أسبح في نهر أو بُحيرة من قَبلُ. ولكن إذا كنتَ لا تمانع يا سيدي، دعني أدخل الماء أولاً من الحافة الضحلة!
    لم ينطق عاصم بكلمة رَدًّا على ذلك. استدار ومشى بِبطء عائداً إلى منزله. وقف الشاعر ينظر إليه بدهشة، ثم اندفع نَحو ملابسه. نزع قطعة القماش عن خِصره وعلَّقها فوق الشُّجيرة وارتدى ملابسه وسارع ليلحَقَ بِسيده. قال وهو يلهث: أنا آسف. أُعْفُ عني، سيدي!
    لم يَرُدَّ عاصم. استمر ماشيا ببطء تحت أشعة الشمس الحارقة.
     
    في مساء اليوم التالي، صادف الشاعرُ عاصم بالقرب من المُجَمع واستعطفه راجياً العفو. خطا عاصم بِضع خطوات نحو أحد المنازل، وهو ينظر إلى الأرض ولم يَقل شيئًا. ولم يتوقف الشاعر عن التَّوسل حتى استدار عاصم أخيرًا وقال:
    - فقط أخبِرني، أي نوع من الرجال أنت؟ (خفض الشاعر عينيه بينما تابع عاصم.) قل لي: هل تعتبر نفسك رجلاً؟ أنت لا تعرف الرماية ولا السباحة - أستطيع أنا لا أرى فيك أي علامات على الرجولة!
    - أرجوك سامحني يا سيدي. فقط أعطِني فرصة!
    (حدَّق فيه عاصم بازدراء قبل أن يقول بنبرة التهديد. وقال:)
    - سأنتظر حتى رمضان لتتعلم الرماية والسباحة. ولا تعتقد أنني سأسامحك بعد ذلك. ولا تنس أننا دفعنا عنك أجراً من جيوبنا! اذهب!
     
    في تلك الليلة لم يَقرأ الشاعر غير شيئ واحد: شِعر عنتر بن شداد.
     
    كُلَّ يومين على مدى الأسابيع القليلة التالية، كان الشاعر يذهب إلى البحيرة بمجرد بزوغ الفجر. كان يخلع ملابسه ويخطو إلى البحيرة من حافةٍ ضحلة. ثم يحاول السباحة بأفضل ما يمكنه - في مياه شديدة البرودة. في الأيام الأخرى، كان يغادر الخيمة عند الفجر ويُحضر القوس والسهام ويذهب إلى الغابة... للصيد. لكنه لم يَجرؤ قط على الذهاب بعيدًا بين الأشجار.
     
    استغرق الشاعر عشرين يومًا كاملة ليتعلم السباحة بشكل أفضل قليلاً من بطة عرجاء. لكنه لم يكن قادرًا بعد على الغطس في الماء حتى ولَو لم يَصل مستواه فَخذ الرجل. أما عن الصيد، فلم يأت بشيء إلى عاصم إلى أن بقي يومان من شهر رمضان. أتى ومعه... أرنب. صاح عاصم عندما رأى الأرنب مُعَلقًا بيد الشاعر اليمنى:
    - آه! رائع! أخيرًا، اصطدت شيئًا!
    لم يستطع الشاعر أن يمنع نفسه من الابتسام بفرح وهو يقف أمام سيده. قال عاصم، مادًّا يده: ناوِلني الأرنب لأراه. أمسكَ الأرنبَ من أذنيه، ونظر إلى عينيه وقال ساخراً: ألا ترى هذا؟ خفَق قلب الشاعر واختفت الإبتسامة من وجهه إِذ سمع عاصم يقول: هذا الأرنب أجرَب! انظر! انظر إلى عينيه!
    ثم ألقى عاصمُ الأرنبَ على الأرض فَراح يَتخبط هنا وهناك، ويتوقف هنا وهناك. تتَبع الشاعر حركاته بعينَي رجل مخمور. سخِر عاصم مرة أخرى قائلاً: أرَأيت؟ لا ينبغي أن تكون عيناك بهذا السوء، مثل عيني هذا المخلوق. الآن اذهب! ارحل عنّي!
    وابتعد الشاعر وعَيناه مُتجَهمتان.
     
    جاء رمضان أخيرًا. عند الفجر سيبدأ الشاعر الصيام. كان الآن في فِراش نومه، يفكر في ذلك. لم يَصُم خلال رمضان العام السابق. لذا، في يوم من الأيام، سيُضطر إلى التوبة عن ذلك الذنب بِصيام شهرين مُتتابعين. والأسوأ من ذلك أنه تخلى عن أداء صلواته الخمس لأكثر من عام الآن. ولكي يتوب عن هذه الخطيئة أيضاً، عليه أن يَقضي عن كل الصلوات التي فاتته... لابُد أن عاصم لاحظ هذا. ولكن يبدو أنه اختار أن يغض الطرف عن ذلك. وبالمناسبة، أليس عاصم هذا غريباً بعض الشيء؟ أحياناً كان الشاعر يتساءل عما إذا كان سيده مجنوناً حقاً. فكيف إذن يُفَسر سلوكه الغريب؟... لم يُعطِ عاصمُ الشاعرَ كلباً - إلى جانب القوس والسهام - عندما أرسله للصيد في الغابة. تخيل ذلك! نعم، ولكن... بالرغم من كل شيء، يظل عاصم رجلاً مُثقفاً. معرفته لا حدود لها. ولكن... لماذا لم يستغل معرفته على النحو اللائق؟... كان حقاً مُتشدداً إلى حَد ما. لا مَجال للمُقارنة بين عاصم وابنه حسن. حسن رجل عملي قبل كل شيء. إنه يعيش بالواقع وفي الواقع.
     
    وجد الفجرُ الشاعرَ في المُجَمع. كان عاصم قد أخبره أنه سيتناول معه وجبتَي السحور والإفطار طوال شهر رمضان في المُجمع. وخلال هذا السحور الأول لم يتحدث عاصم عن الكتب أو السباحة أو الصيد أو الصلاة... بل عن الطعام والمأكولات، ولا شيء غير ذلك... وأسهب في الكلام حتى وجد نفسه يتذكر أيام طفولته الأولى في العراق...
     
    عند ساعة الإفطار، اندهش الشاعر لرؤية بطرس، وهو مسيحي، يأكل على مائدة عاصم. كانوا جميعًا هناك: عاصم وبطرس وسفيان والشاعر. (نادرًا ما كان حسن يمكث يومين متتاليين في كفر حانون. كان عمله لا يترك له وقتًا كافيًا). لذا تناول الأربعة الطعام والشراب في هدوء.
     
    بعد وجبة الإفطار في ذلك المساء، أمر عاصمُ الشاعرَ بمُرافقة القسيس إلى منزله. فأطاع الشاعر بإيماءة صامتة. كان القسيس يعيش في قرية كفر حانون، على بُعد ميل واحد من مسكن عاصم، في الطريق إلى الغابة والبحيرة. (كانت كل المنطقة الصغيرة المحيطة بالقرية تسمى كفر حانون). لذا توجه الشاعر والقسيس إلى القرية، مُتَّبعين الطريق الضيق المعتاد. كانت الليلة مظلمةً وباردة. في تلك الليلة كان القسيس صامتًا، وكذلك الشاعر. كان قلب الشاعر هادئًا طوال الطريق إلى القرية. لم يكن لديه ما يخشاه لأن القسيس كان معه. شكر القسيسُ الشاعرَ وبارَكه ودخل إلى منزله، وكان على الشاعر أن يعود إلى خيمته بمفرده. الآن بدأ قلبه يفقد هدوءه. لذلك دعا الله ساءلاً العفو والسلامة.
    كان رمضان ذلك العام سعيدًا. كان عاصمُ مُراعِياً وودودًا للغاية. طوال الشهر الكريم لم يَعبِسْ أبدًا في وجه الشاعر. بَدا أن بطرس أيضًا يحب الشاعر، والعكس صحيح. كان القسيس يحكي للشاعر من وقت لآخر عن السيد المسيح ومريم العذراء... وكان الشاعر يستمع إليه باهتمام واحترام. وكان يحتفظ بأفكاره ومشاعره لنفسه. حتى حسن، الذي كان يزور كفر حانون من حين لآخر، بدا وكأنه يكن تقديرًا كبيرًا للشاعر. ونصح ابنه سفيان بأن يكون لطيفًا للغاية مع "شاعرنا".
     
    وبعد رمضان ظهر رجل آخر في مجمع عاصم. لم يأت هذا الرجل بمفرده؛ بل كان برفقته ستة حُراس. ولكن سُمح له وحده بالجلوس مع عاصم في غرفة الضيوف. أما الرجال الآخرون فقد بَقُوا مع الخيول في الخارج. كان هذا الرجل زعيماً لعشيرة من العشائر يُدعى موسى بن عربي. فذُهل الشاعر لسماع ذلك، لأنه كان يعلم قبل هذا أن بيت عاصم هو الأسرة المسلمة الوحيدة في كفر حانون، ثم سمع موسى يقول لعاصم: أرسل لي خادمَك. فأين سيُرسله عاصم، ومتى ــ بالنهار أم بالليل؟ وكيف ــ سيراً على الأقدام أم على دابّةٍ؟ وانتظر الشاعرُ بفارغ الصبر أن يغادر موسى حتى يسمع شيئاً من فم عاصم.
     
    غادرَ موسى ورجالُه. وانتظر الشاعر أن يُخبِره عاصم بشيء عنهم. وفي غُضون ذلك، فكَّر في أفضل طريقة يجب أن يتفاعل بها مع أمر سيده التالي. وأثناء تفكيره، قال مُحَدِّثاً نفسه: لقد بلغتَ الآن بالفعل منزلةَ الرجال. إذا لم تستطع أن تُثْبتَ نفسك كرجل حقيقي، فأنت لا شيء. لقد وصمَك الجميع بالجبن. وربما كان ذلك مكتوبًا بوضوح على جَبينك. يُمكن لأي شخص أن يعرف من لمحة بَصر. فَإلى متى ستظل هكذا؟ يجب أن تتغيّر. يجب أن تواجه كل الاحتمالات. يجب أن تخوض أي مغامرة مثل البطة في الماء. يجب أن تكون مثل عنترة بن شداد، وليس مثل جميل بثينة... لَأن تموتَ شجاعًا خيرٌ من أن تعيش جباناً.
     
    مساءَ اليوم الثالث قرَّر عاصمُ إرسال الشاعرِ إلى موسى. أطاع الشاعرُ الأمرَ مبتسمًا، على الرغم من خفقان قلبه. قال عاصم إن موسى يعيش على الجانب الآخر من النيل، في قرية على الطريق إلى أسوان. زوَّد عاصمُ الشاعرَ بكل التفاصيل حول الطريق والأشخاص الذين قد يُصادفُهم في طريقه. كما أعطاه ملابسَ خاصة وبعض النقود لدفع ثمن العبور بالقوارب. وعَيَّن له المكان الذي سيترك فيه البغل، على ضفة النيل. وأعطاه مهلة يومين لإنجاز المهمة: كان على الشاعر أن يَحمل مخطوطة مهمة إلى الزعيم. واختتم عاصمُ كلامَه وهو يُسَلم الشاعرَ المخطوطة المطوية بقوله: يُمكنك أن تذهب في وقت مبكر من صباح الغد إذا أردت.
     
    لم يستطع الشاعر الانتظار حتى الصباح. أَقْسَمَ أن يذهب "الآن" - عند حلول الليل تمامًا - ولَم يزِد على أن ردَّد أدعيةً وأحضر البغل وانطلق نحو النهر. رأى عددًا قليلاً من الناس في الطريق، وفي كل مرة ألقى فيها نظرة خاطفة على شخصٍ من المارّة كان قلبُه يقفِز في صدره. صار الليل أكثر إشراقًا مع ارتفاع القمر عالياً في السماء. توقف الشاعر من وقت لآخر للتأكد من أنه ما يزال على المسار الصحيح. في منتصف الليل وصل إلى النهر. لكنه ربما كان الوحيد الذي بَقي مستيقظًا حتى هذا الوقت. لذلك ركِب إلى مكان بالقرب من المنزل حيث سيترك البغل قبل عبور النهر. كان المنزل مِلكًا لأحد أصدقاء عاصم.
     
    بعد الفجر بقليل، ظهر صديقُ عاصم ونهض الشاعر واتجه نحوه وهو يقود البغل خلفه. قال الرجل بهدوء باللغة العربية: لا بد أنك خادم عاصم، أليس كذلك؟
    أجاب الشاعر بثقة: نعم، أنا هو، سيدي.
    - كيف حاله؟
    - إنه بخير. بارك الله فيك.
    - الحمد لله. تقصد عبور النهر، أليس كذلك؟
    - أجل، سيدي.
    - حسنًا.
    أخذ الرجلُ البغلَ إلى مكان ما خلفَ منزله وعاد لمرافقة الشاعر إلى الطريق الذي قال عاصم إنه سيقوده إلى المكان الذي يُمكنه عبور النهر منه. ثم ترك الرجلَ واستمر في طريقه. كانت الشمس قد بدأت تُشرق بالفعل عندما صعد الشاعر على مَتن قارب صغير وجلس بجانب عدد قليل من الرجال الذين ألقَوا عليه نظرات فضولية. تحرك القارب ببطء نحو الشرق وحَوّل الشاعر عينيه نحو الماء. أحَس بأهميةٍ كبيرة في نفسه. لَم يتحدث إليه أحدٌ ولم يتحدث هو إلى أحد. حتى عندما غادر القاربَ لم يتحدث إلى أحد حتى صادف صبيًا يرعى قطيعًا من الماعز والإبل ليس بعيدًا عن قرية الزعيم. قال الشاعر للصبي بصوت مرتجف:
    - عفوا يا بني، دُلَّني على بيتِ موسى بن عربي.
    - إنه يعيش في البيت الأبيض الكبير المُسَوّر بالأشجار على يمين القرية. ولكن لماذا تسأل عنه؟
    - أريد أن أراه.
    - ماذا؟ أنت؟ تريد أن تراه؟ هل أنت جادّ؟
    قال الشاعر بصوت خفيض: باركَك الله يا بُني! أراك على خير!
    وصل الشاعر إلى بيت موسى. نظر إليه بعض أهل القرية بغرابة - خاصة عندما وقف عند الباب. سأل الحارسُ بنبرة تُثير الخوف:
    - ماذا تريد يا هذا؟
    - أريد أن أرى السيد موسى بن عربي.
    قال حارس الباب ساخراً :
    - ماذا!
    - أنا رسول.
    وقبْلَ أن يتمكن الحارس من الكلام مرة أخرى، صاح شخص من داخل المنزل: دَعْهُ يَدخل!
     
    وأخيرًا، سلَّم الشاعر المخطوطة إلى الزعيم، الذي أَمر اثنين من حُراسه بمُرافقة الشاعر إلى خارج القرية. أركبَ الحراسُ الشاعرَ جحشًا وقادوه إلى المكان الذي استقلَّ فيه قاربًا ليعبُر إلى الغرب.
     
    عند عودته إلى كفر حانون، استقبله عاصم بحرارة. تناولا العشاء معًا في غرفة الضيوف؛ وأثناء الوجبة، قال عاصم: لقد كفَّرتَ الآن عن كل خطاياك الماضية، يا سلمان. ولأجل هذا الإنجاز سأُكافئك بأفضل خِرافي. لذا اختر منها واحدًا وسيكون لك... كما تعلَم، سيكون عليك غدًا أن تأخذ القطيع إلى المرعى حول الغابة...
     
     

    اقتل الذئب

  • سأبيعك

  • القلادة

  • ابني مجنون

  • من هي سلطانة ؟

  • النسخة الإنجليزية

  • THE POET

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire