محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

ابني مجنون

ابني مجنون



في صَباح اليوم التالي كان الشاعرُ في المراعي كالمُعتاد. لَم يَتناوَل فطورَه في ذلك اليوم. لم تُحضِرْه له سوسن. كان حزينًا. وسوسن أيضًا كانت بعيدةً كل البُعد عن السعادة. قال سفيان بفُضول:
- رأيت سوسن تبكي. لماذا؟
أجاب الشاعر مُتظاهراً بالدهشة:
- حَقّاً؟ رُبما تذَكَّرَت شخصًا تفتقِده. أين رأيتَها؟
- مع هند. في المنزل.
- آه، جَيد. إذَن اتركها لِحالها.
- أشعر بالتَّعاطف معها.
- أنت! (توقف الشاعر، وتنَهد ثم أضاف:) رُبما كانت مريضةً مُؤخرًا وتحتاج إلى بعض الراحة.
- سلمان؟
- نعم؟
- هل أحضرتَ الناي؟
- لا.
- يا للأسف!
- لماذا؟
- تَمنَّيتُ لو كان معك الآن، لِتُغنِّيَ لي إحدى أغانيك الجميلة.
كان للشاعرِ نفسُ الرغبة الآن. لكنه لا يُمكنه أن يُرسِل الصبيَّ لِيَأْتِيَه بالنّاي في هذا الحر الشديد. ظَل صامتًا ونظر إلى الأمام دون أن يَرى. بعد فترة، انتبه إلى مريم، التي كانت هي نفسُها تَنظر إليه مُتَأمِّلةً من بعيد. نظر سفيان أيضًا في ذلك الاتِّجاه، لكنه لم يَقل شيئًا. تساءل الشاعر عما كانت مريم تفكر فيه في تلك اللحظة. ثم حاول تفسيرَ رَدِّ فِعل سوسن. لماذا كانت تبكي؟ ... وبينما استمرَّ في التفكير، شعر بشيء غير عادي يحدُث في رأسه، في دماغه. لم يستطع تفسيرَه. شعر وكأن شخصًا ما يُوخز دماغه بدَبوس. بدأ رأسُه ينبض بشكل مُؤلِم. حاول عبَثًا التوقف عن التفكير، لكن آلامَ دماغه زادت بالإكثارِ من التفكير.
في الليل، كان الشاعر ما يزال يُفكر، وكان دماغه يُؤلِمه أكثر فأكثر، وَلامُبالاةُ سوسن التي لا تُطاق أشعلت النار في صدره أيضا. لقد صلّى وقرأ القرآن، ومع ذلك لم تَهدأ آلامه وعذاباته. ولَم يلُم أحدًا سوى نفسه. لقد فعل ما كان ينبغي له أن يفعله، وكان عليه أن يتحمل معاناته بصبر. وما عَدا ما كان مِن خطاياه الماضية، لم يَكن لديْه ما يَندم عليه الآن.

تعَشَّت سوسن في المُجَمع ولم تُحضِر للشاعر عشاءه. لم يَقل شيئا. بعد صلاة العشاء قام بجولة قصيرة حول الخيمة ثم عاد إلى النوم. وفي الفِراش لم يَضع يداً ولا إصبعاً على زوجته. فقط وضع رأسه بين يديه وتحمَّل الألم.

لم يَظهر حسن طوال ذلك اليوم واليوم التالي. كان عاصم هو الذي جاء الآن لرؤية الشاعر في المرعى. أحضرَ معه فاكهةً في سَلة صغيرة. كان الشاعر يَعزف على الناي عندما ظهر عاصم. ثم توقف عن النَّفخ وانتظر سيِّده ليقترب ويجلس بجانبه.
قال عاصم وهو يجلس: السلام عليك يا سلمان!
رَد الشاعر مُحاولا الإبتسام: وعليكم السلام.
ثم أخذ عاصم ثَمَرَتَين من السلة ووقف واتجه نحو ابنة بطرس. أعطاها الفاكهة وتحدث معها قليلا ثم عاد ليجلس بجانب الشاعر. قال وهو ينظر إلى الأخير: مريم فتاة لطيفة حقًّا.
ابتسم الشاعر ونظر إلى الناي. قال عاصم: سَمِّعني شيئاً!
نظرَ إليه الشاعرُ، فَابْتسَم، وتنَهَّد وبدأ يَعزف على الناي. واستمر في النَّفخ، وقد بَدا شاردَ الذهن،، حتى التفت إليه عاصم وقال: هذا يكفي. فَتوقف الشاعر عن العزف، وقال عاصم:
- أنت محظوظ يا سلمان!
- كيف ذلك؟
- لديكَ هذه الوسيلةُ للتعبير عَمّا يُخالِجُ نفسك كما يَحلو لك.
رَد الشاعر بتنهيدة:
- أنت على حق.
- ماذا قالت سوسن؟
- عَمّاذا؟
- عن العقد، طبعاً؟
- لم تقل شيئًا لكنها تبدو غاضبة.
- هل تتحدثان مع بعضكما البعض؟
- لا.
- هل تأكُلان معًا؟
- لا.
- هل تُحْضر لك وجباتك؟
- لا.
- هل تَنامان معاً؟
- لا.
- إذن فَأنتما زوجان غير مُتَوافقِين.
التزم الشاعر الصمت. قال عاصم:
- تكلم!
- يُؤْسِفني أن أقولَ إن سوسن هاتِه التي اخترتَها زوجةً لي هي في واقع الأمر جَبَلٌ جَليدي.
- هل تُغازِِلك ؟
- أحيانًا، نعم.
- ماذا فَعلتْ أو قالت، على سبيل المثال؟
- ذاتَ مرة، منذ فترة ليست بالبعيدة، قالت لي: في الحقيقة، لَم أَرَ فيك شيئا يُعجِبني. أعترف أنك فتىً مُثير للغاية. ربما هذا هو الشيء الوحيد الجَيد فيك.
- لقد أصبح وجهُك خشِنًا بما يكفي لشَحذ سكين عليه! هل قالت ذلك حقّا؟
- نعم!
- إذن أنت محظوظ جدًا! هذا ما تبحث عنه مُعظم النساء. الباقي - كل الباقي - مُجَرد تفاصيل.
- لقد جعلَني سلوكُها معي أُفكر في سلطانة أكثر من تفكيري فيها هي. لا أعرف حقًا ماذا أفعل.
- سأُخبرك بما يجب عليك فِعله. كُن وفيًّا لزوجتك. أنت لا تعرفُ قصةَ حياتها. ربما كانت خادمةً بائسة. ثم فَكر في الله أولاً. قارِن بين ما أعطاك الله وما يُمكنُ أن تمنحك إياه امرأة - أي امرأة - ثم قَرر. سوسن امرأة جَيدة. لا تَفقِدها! الآن تكُلْ وغَنِّ لي أغنية!

كانت تلك اللحظاتُ مع عاصم سبباً في راحة الشاعر. وبدأت سوسن تتغير أيضاً. فقد أصبحت تُحضِر للشاعر وجباته في موعدها. ولكنها لم تَكن تُكلّمه. بل كانت ما تزال تَنظر إليه باشمئزاز. ولَم يُزَعزع ذلك راحةَ الشاعر، إذ لم يَكن حسن موجوداً لِأيّام. ولكن الشاعر كان مُتَشككاً بطبعِه. وها قد ثَبتت صحة ظُنونه هذه المرة.

في إحدى الأُمسيات ذهبت سوسن إلى المُجَمع لتُحضِر العشاء لَها وللشاعر. وكما هي عادته، بَقي الشاعر في الخيمة يقرأ. في البداية كان يُفكر في ما كان يقرأه أكثر من تفكيره في عودة زوجته. ولكن فجأةً بدأ يشعر بالقلق. لم تتأخر سوسن قط كما تأخرت تلك الليلة ولم تَعُدْ إلى الخيمة بَعدُ. تساءل الشاعر عن السبب لكنه لم يَخرج ليَرى ما قد يحدث حتى تَأكد قلبُه من وقوع مصيبة ما. فَغادر الخيمة، وبينما كان يمشي في اتِّجاه المُجَمع رأى شخصين يَقفان أمامه. أَسرع في خطواته وخفَق قلبُه بِقوة لَمّا تَأكد من أن الشخصين اللذين يقفان هناك ويتحدثان إنما هما حسن وسوسن. اشتد الألمُ في دماغ الشاعر. وعندما اقترب منهما، استدارت سوسن ونظرت إليه باشمئزاز. زأر حسن زئيرالأسد : ما بك يا نَذل؟ حدَّق الشاعر فيه لبعض الوقت، وهو يَغلي من الغضب، وفي لحظة كاد يَفقد عقله. انحنى وتَحسَّس في الظلام الحجارة وبَدأ يَرميها على هذين "الشخصين الحقيرين" أمامه. استلَّ حسن سيفَه واندفع إلى الأمام لإِخافة الشاعر. في الواقع، لم يَهرب الشاعر بعيداً عندما حَشَرت سوسن أُصْبُعَيها في أُذنيها وصَيَّحت. خرج سفيان ليًرى ما يَحدث وطار عائداً إلى المنزل. ثم ظهر هو وعاصم واندفعا إلى الأمام. كان حسن يُطارد الشاعرَ ويَزأرُ عليه عندما صاح عاصم: توقف! اغمِد سيفك! تَعال!
صَرخ عاصم و استمر في الصُّراخ حتى وقف كَالسَدِّ بين ابنه والشاعر، ثم صَرخ في وجه ابنه وهو يُمسِكه: اغمِد سيفك فورًا!
تَفَلَّتَ الشاعرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ سيِّده، مُمْسكًا بحَجرين. حدَّق حسن للمرة الأخيرة في الشاعر، ثم نظر إلى والِده وأَغمدَ سيفه على مَضض. بَقِيَت سوسن تنظر من بعيد ولا تتكلم. صاح عاصم لابنه: الآن، اغرُب عن وجهي!
ألقى حسن نظرةً أخيرةً على سوسن وابتعد. اختفى في المُجَمع. قال عاصم بنبرة الأب الودود: سوسن، تعالي إلى هنا!
تقدمت نحوه. ألقى الشاعرُ الحجارة على الأرض ومَسح يديه بثوبه. قال عاصم للزوجين، وهو يَنظر إلى كل منهما في وجهه: الآن، لِنَذْهَبْ من هنا!
توجه الثلاثة نحو قرية كفر حانون، حيث يعيش بطرس.

قال عاصم، وهو يَسير بين الشاعر وزوجته: سلمان، ابني رجل صعبٌ للغاية. ما كان ينبغي لك أن تتشاجرَ معه. لكن أخبِرني، ماذا حدث بالضبط؟
رَد الشاعر بصوتٍ غير ثابت:
- كنتُ قادمًا من الخيمة لأرى لماذا تأخرَت سوسن كثيرًا. وفي الطريق وجدتُها واقفةً بجانب المنزل وتتحدث بشكل مُريب مع السيد حسن.
- سوسن، هل هذا صحيح؟
أجابت بِثِقةٍ بعد تَوَقُّفٍ:
- نعم سيدي.
- ماذا كنتُما تقولان لبعضكما البعض؟
- طَلب مِني أن أُقنِع سلمان بكتابةِ شيء عن صَديق حسن.
- هل هذا كل شيء؟
- نعم، سيدي.
- ابني مجنون. لستَ مُذنِباً يا سلمان. أنت حُر. لن يُجبِرك أحد على كتابة ما لا تشعر به. وأنتِ يا سوسن، أتمنى أن تَفهمي زوجَك.

في قرية كفر حانون، طلب عاصم من الشاعر البقاءَ في الخارج بينما دخل هو وسوسن إلى منزل بطرس. لَم يَر الشاعر بطرس. انتظرَ حيثُ أمَره سَيِّده وتساءل عما سيحدث بعد ذلك. عاد عاصم بمفرده. تساءل الشاعر عن السبب. فَسأل بلهفة:
- أين سوسن؟
- ستبقى سوسن هنا في بيت بطرس حتى نرى ماذا نفعل. الآن لِنَعُدْ إلى المنزل!

بعد صمت طويل، في طريق العودة إلى المنزل، أسَرَّ عاصم للشاعر:
- حسن قد يَقتُلكما. عليكما أن تكونا حَذِرَين. لن تَنامَ الليلةَ في خيمتك
- أين سأنام إذن؟
- سأُريك أين.
أمضى الشاعر تلك الليلة في إحدى غُرَفِ نوم عاصم. ونام سفيان معهما.


  • من هي سلطانة ؟

  • النسخة الإنجليزية

  • THE POET
  • Aucun commentaire:

    Enregistrer un commentaire