محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

القلادة

القلادة

 

تناولَ الشاعرُ وعروسُه إفطارَ زفافِهما في خيمتهما. لم يعرفِ الشاعرُ أيَّ الكلمات ستُسعِد سوسن في هذا الصباح بالذات، لذلك التزَم الصمت، وكذلك فعلَت زوجتُه. بعد الإفطار نهض قائلاً: سأذهب لرؤية السَّيد عاصم. ظلت سوسن صامتة. نظرت فقط إلى قدَميه وهو يُغادر إلى المَجَمع. استقبله عاصم في المَكتبة. قال مُبتسما:
- أُسْعِدتَ صباحاً يا شاعرنا!
- أَسعَد الله حياتَك يا سيدي!
- كيف كانت ليلتُك؟
- رائعة!
- والعروس؟
- جيّدة. جيدة.
- أين هي الآن؟
- تركتُها في الخيمة.
- لا يا سلمان. ما كان ينبغي لك أن تتركها وحدَها. اعتَنِ بها. قُم! قُم وعُد إليها بسرعة!
وقف الشاعر وخرج. لم يَجِد سوسن في الخيْمَتين. وبينما كان يبحث عنها اندفع سفيان نحوه، وقال:
- ما الذي تبحث عنه؟
- آه، سفيان؟ كيف حالك؟ كنت أَبحث عن سوسن. هل رأيتَها هذا الصباح؟
- نعم. إنها مع النساء في المنزل.
- آه، جَيد. الآن، أُريدك يا سفيان. هل أنت مُستعد؟
- نعم. لكن لماذا تريدني؟
- أُريدك أن تُحضِر عصىً طويلةً وناعمة وقوية، أحضِر اثنتين.
- لماذا؟
- أَحضِرهُما وسترى!
أَحضَر سفيان العِصيَّ. قال الشاعر وهو يُعيد إحداهما إلى الصَّبي:
- خُذ هذه. والآن دَعنا نَتَسايفْ!
لَوَّح سفيان بالعَصا بسعادة واندفع نَحو الشاعر، الذي رَدَّ الضَّربة على الفور. واستمر كِلاهما في المُبارَزة، يصرُخان ويَضحكان بِمرح. ظهر عاصم واقترب منهما. وقف مُنعَزلاً وراقب وهو يبتسم. كان سفيان مُبارِزاً أفضلَ من الشاعر، لكن الشاعر كان سعيداً رغم ذلك. اقترب منه عاصم وقال:
- سلمان، لن تَجد في البَرِية صِبياناً مثل سفيان! وحتى سفيان أَراه قد غَلبك!
نظر إليه الشاعر وقال وهو يَلهث:
- هذه مُجرد البداية يا سيدي.
- آه، هذا ما تقولُه! سنَرى!
 
في وقت لاحقٍ من ذلك اليوم ذهب الشاعر وسفيان إلى البُحيرة معًا. وهناك أيضاً كان سفيان يسبح أفضل من الشاعر. وفي طريق عودتهما إلى المُجَمع، قال الشاعر لصديقه الصغير:
- مِن الآن فَصاعدًا ستكون مُعلِّمي يا سفيان. ستُعلمُني كلَّ ما تعرفه!
- وأنت أيضًا ستُعلِّمني كل ما تعرفه.
- سأُحاول.
- وأنا أيضًا.
 
مَرَّ ذلك اليوم بسلامٍ وعاد الشاعر إلى خيمته. لم تَتحَدثْ سوسن معه. حاولَ تغييرَ مِزاجها بالتَّحَدُّث لفترة قصيرة، لكن المرأة ظلت صامتةً. وعندما أَصَرَّ الشاعر، انفجرت قائلة: إمّا أن تصمُت أو سأُقضّي الليل في الخيمة الأخرى. لذا اختارَ الشاعر أن يصمُت.
وتَوالت الأيامُ والليالي على نفس المِنوال. ففي النهار كان الشاعرُ يقوم بأعماله اليومية الرَّتيبة. وفي وقت فَراغه كان يذهب للسباحة أو للصيد. وكُلَّما كان سفيان معه في المَرعى كانا يلعبان المُبارزة بالعِصِي. وفي بعض الأحيان كان الشاعر يَقرأ كتاباً هناك. وفي المساء كان يَقرأ ويُصلي في خيمته. وفي الليل كان يَنام مع سوسن... في صَمت. وكثيراً ما كان يُفكر في زوجته الأولى سُلطانة... وهذا ما ساعَده على البقاء مُتسامحاً مع سوسن التي لا تُحِس بشيء.
بَعد أُسبوعين من يوم الزّفاف، كانت سوسن لا تزال بعيدة كل البعد عن المُهادَنة. وكُلما حاول الشاعر أن يُجادلها، ليلاً أو نهاراً، كانت تَرُدُّ عليه بكلام جارح. كان الشاعر يعرف من خلال التجربة أنه كلما اقترب من امرأةٍ مثلَ سوسن، كُلما ابتعدت عنه أكثر. كان يَعلم أن التعاطفَ لا جدوى منه مع بعض النساء. لكنه كان ضعيفاً للغاية بحيثُ لا يستطيع أن يكونَ غير مُبالٍ مثلَ سوسن. لم يَكن مُستعداً لحربِ استنزاف. كانت سوسن تَتحدث مع غيره من أَهلِ عاصم وتبتسِمُ لهم، بِمَن فيهم سفيان، ولكن ليس للشاعر. وهذا ما أثار غضَبه. لقد سعى جاهِدا لإخفاء هذا السِّر. ولكن إلى متى سيُقاوم؟ كان غضبُه شديدا ولم تَكن تَهدأُ روحه ولَو قليلاً إلا عندما يَقرأ القرآن ... حينَها يُدرِكُ أن سُلوكَ زوجتِه لم يكن سوى عقابٍ على خطايا ارتكبها في الماضي. ألَم يُضاجِع يامْنة وهي ما تزال زوجةَ شخص آخر؟ ألم يشرب الخمر؟ ألم يُفطِرْ شهرَ رمضان العام الماضي؟ ألَم يَترك صلواته اليومية؟ ... لهذه الخطايا كان يَجب أن يُعاني أكثر! لقد شعر في الواقع بالندم الشديد على كل أخطائه. لذلك بكى بأسف ودعا الله بحرارة رجاءَ المغفرة. ودَعا لزوجته كما دعا لنفسه.
 
ومع مُرور الأيام لاحَظ الشاعر شيئاً غيرَ عادي. فقد بدأ حسن فجأةً يُقَضي في كفر حانون وقتاً أطولَ مِما اعتاد عليه قبل وُصول سوسن. كان حسن شخصاً وسيماً، وذا لسانٍ حُلو. أيُّ امرأةٍ يُمكن أن تَميل إلى الرغبة في صُحبته. كان يبدو مثلَ أمير. وكُلما كان في الكَفر كانت سوسن تُقَضي مُعظَم وقتها في المُجَمع. ولم يكن الشاعر قادراً على مَنعها. كان يَرجو فقط ألا يَحدث الأسوأ.
 
في أحد الأيام انضَم حسن إلى الشاعر في المرعى. مُجَرد رُؤيته جعل الشاعرَ يَرتجف. سفيان أيضاً كان هناك. وكان حُفنة من الرُّعاة يُراقبون من مسافات مختلفة بينما كان حسن يُحَيي الشاعرَ ويَجلس القُرفصاء بجانبه. قال:
- كيف حالك يا شاعرنا؟
- أنا بخير. بارك الله فيك! وأنت يا سيدي؟
- أنا أيضاً بخير. كيف تَجد عملَك؟
- أنا أستمتع به، سيدي.
- وابني سفيان؟
- أوه، سفيان ولد طيِّب. أتمنى أن يكون لي ابنٌ مثله.
- ها أنت الآن مُتزوج! سوف تُنجِب لك سوسن من الأبناء والبنات ما تشاء.
لم يستطع الشاعر أن يمنع نفسه من التَّنَهُّد.
- لماذا تَتَنَهد يا شاعرنا؟ هل هناك أي مشكلة؟
- لا، ليس تمامًا.
- هل تُخفي مشاعِرَك عني؟ هل أنا غريب؟
- حسنًا، زوجتي للأسف غيرُ لطيفة معي هذه الأيام.
- لماذا؟
- لا أعرف لماذا. كما لاحظتَ بدون شَكّ، فهي تُقَضّي الآن وقتًا أطولَ في المنزل مِمّا تُقَضيه في الخيمة.
- أجِد ذلك طبيعيًا تمامًا. ما الذي تَراه غيرَ عادي في ذلك؟ هل لديك شُكوك؟
- لا، لا! على الإطلاق! أنا فقط لا أفهم زوجتي.
- إذا كنتَ لا تَفهم، فأنا أَفهم.
أَخرَج حسن من أَحد جُيوبه عِقداً ذهبيّاً وسلَّمه للشاعر مُبتسماً وهو يقول بصوته العذب:
- هذا مفتاحُ قلبِ زوجتك!
تَردد الشاعر وقلبُه يَخفق خوفاً من نَوايا لا يعرفها. لكن حسن أَصرَّ:
- خُذه، جرِّبه وسترى!
احتار الشاعر في ما قد يَهدف إليه حسن. لكن حسن أَصر إصرارَ الساحر على الخائف المُتردد:
- ليس لدي أدنى رغبة في زوجتك، إذا كانت لديك أية شُكوك بشأني. لدي زوجات وإِماء، كما تعلم! خُذ!
(وأخذ الشاعر العقد بيد مُرتجفة.)
- هذه هديتي لك ولزوجتك.
- شكراً جزيلاً لك يا سيدي.
وبعد فترة سُكوت، استأنف حسن:
- الجو حارٌّ جداً، أليس كذلك؟
أجاب الشاعر و هو شارد الذهن:
- نعم يا سيدي، هو كذلك.
- سفيان؟
- نعم يا أبي؟
- هل ستعود معي أم ستبقى مع شاعرنا؟
- سأبقى هنا يا أبي.
- حسنًا! يُمكنك البقاء. أمّا أنا، فسأذهب! إلى اللقاء!
وقف حسن، وألقى نظرةً حوله وانطلق مُهروِلاً. حدَّق فيه الشاعر وهو يبتعد أكثر، وفَكر في ما جاء لأجله هذا الرجل في هذا الحَر الشديد.
 
في طريق عودته من المَرعى عند غروب الشمس، تساءل الشاعر عَمّا يفعله بالعقد. كان في حيرة بشأنه. بَدا وكأنه يُفَكر بِعَقلين. قال له العقل الأول أن يُعطيَه لسوسن، وحذَّره العقل الآخر ألاّ يَفعل. فجأةً خطرت له فكرة مذهلة وصَمّم على أن يُجَرِّبَها.
 
بعد صلاة العشاء مباشرة، جلس على السجادة وفتح كتابًا. كانت سوسن مُستلقية على جانبها على الفِراش، وكانت بين الحين والآخر تَسرق نظرةً إلى الشاعر. الآن أَخذ الشاعر العقد من داخل ثَوبه وعلَّقه حول عنقه، دون أن ينظرَ إلى زوجته. ولكن بمجرد أن فعل ذلك، أحسَّ أن سوسن كانت تُحاول جاهدة تحبسَ ضحكتها. أخيرًا أطلقتها. رفع الشاعر عينيه ببطء وألقى نظرة مباشرة على زوجته، مِما جعلها تضحك أكثر. قال الشاعر فجأة:
- لماذا تضحكين؟
- ما هذا الذي وضعتَه حول عنقك؟
- أعطاني حسن هذا العقد هديةً.
- أعطاه لكَ أنت؟ آها! لم يكن مُخطئًا في ذلك! أُقسم أنه لم يكن مخطئًا.
- ما هذا الخطأ الذي تتحدثين عنه؟ ما هذا الهَذيان؟ هل جُنِنت؟
ضحِكت سوسن حتى سالتِ الدموع من عينيها، ثم جلست مُنتصبة. نظر إليها الشاعرُ نظرةَ حُبِّ وهُيام. ثم نهض على رُكبتيه وزحَف بحذر نحوها. نزَع العقدَ من رَقبته وانحنى لربطِه حول رقبة سوسن. ولِدهشته، أَمالت رأسَها بينما كان يَربط العقد. ثم رفعت عينيها والتقتا بعينيه. ندها قال الشاعر وعيناه تَلمعان:
- لماذا لا تُريديني يا حبيبتي؟
- أنا لا أُحبك. (ابتسمت سوسن بحرج.)
- لماذا؟ ما الذي لا يُعجبك فيّ؟
- في الحقيقة، لَم أَرَ فيك شيئا يُعجِبني. أعترف أنك فتىً مُثير للغاية. ربما هذا هو الشيء الوحيد الجَيد فيك.
احْمَرَّ وجه الشاعر خجلاً. اختفت ابتسامتُه، استدار ورتَّب كتُبه وأطفأ السِّراج، ثم اتخذ لنفسه مكاناً بجانب سوسن واستلقى على ظهره... وسرعان ما ذَهَبَ بخياله إلى أيامه مع سلطانة...
 
ومنذ صباح اليوم التالي بدأت سوسن تتغيرُ... للأفضل. تَحولت لامُبالاتُها إلى لُطفِ عاشقة. كانت ابتساماتها بلا حدود. وأثناء حديثِها إلى الشاعر كانت عيناها تتألَّقان فرحاً. وكانت كلماتُها أحلى من العسل. لكنها... كانت ما تزال تُقَضي الكثير من وقتها في المُجَمع. والأسوأ من ذلك أنها كانت تُشير صراحةً إلى حسن باعتباره "الرجل المحظوظ" أو "الرجل اللطيف" أو "الولد الوسيم". كان قلب الشاعر يَحترق بداخله. وصارَ يشعر الآن بالمراعي وكأنها سجن أو أرض مَنفى. أصبحت أيامه طويلة جدًا، وكذلك لَياليه. ولَم يَكُن لِيَخفى على سوسن - وهو أنثى - هذا القلَق البالِغ في نَبرته وكلماته؛ ومع ذلك استمرت هي في مَدح مَن كان الشاعر يَحسبه "حبيبها". فَكر بعمق في هذا الأمر وقرّر أخيرًا أن يَتَحامَقَ وينتظر.
انتظر بضعة أيام أخرى. وذاتَ يوم كان في المرعى عندما قَصدَه حسن مباشرة. هذه المرة لم يكن سفيان هناك. تجمد دم الشاعر في عروقه. تَجنب حسن النظرَ إلى عينَي الشاعر حتى حَيّاه وجلس القُرفصاء بجانبه، وقال بفرح:
- أنا سعيد برؤيتك مرة أخرى يا شاعرنا! السلام عليكم أولاً. آه! نسيت أن أقول السلام عليكم.
أجاب الشاعر بصوت متردد:
- وعليكم السلام يا سيدي حسن.
- كيف حالك وكيف حال زوجتك؟
- بخير. شكرًا. وأنت، سيدي؟
- أَرَأَيتَ ؟ لابُد أنَّ سوسن أعجبَتْها هديتُك، أليس كذلك؟
- كانت هديتَكَ أنتَ، سيدي.
- أنت رجلٌ نبيلٌ بِلا رَيْب. أنا مُعجَب بك حقًا يا شاعرنا! هل نَتمشى قليلا ؟
- نعم، نعم.
وقف الاثنان وبدأا في المشي على مَهل وسط القطيع.
- قُل لي يا شاعرنا. في المرة الأخيرة أخبرتَني أنك كنتَ الشاعرَ المُفضَّلَ لدى أميرك، أليس كذلك؟
- نعم، كنت كذلك.
- رائع!
- ما الرائعُ في الأمرِ يا سيدي؟
- أَعني أن هذه وظيفة جيدة.
- لا أفهم يا سيدي.
- سأُوضِّح لك. لقد وجدتُ للتّو وظيفةً لك، وظيفة جيدة - أُؤكد لك ذلك.
(قفَز قلب الشاعر فرحاً. قال مبتسمًا:)
- أنا مُمتَن لك كثيرًا يا سيدي!
- إذاً ستَقبلُ الوظيفة؟
- نعم، لكن أخبِرني عنها أولاً.
- حسنًا، سأُخبرك. أنت تَعلم أن عمَلي يقودني أحيانًا إلى عِلِّية القَوم. لدي العديد من الأصدقاء الأثرياء أو من العائلات ذواتِ الشَّرَف مِنْ أَهْلِ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ وَالْمَجْدِ. وقد أصبح أحد هؤلاء الرجال أميرًا. إنه صديق مُقَرَّب لي. وأنا أحبه كثيرًا. وفي هذه المناسبة السعيدة أَود أن أُقَدم له هدية خاصة. ولا أستطيع أن أجِد هديةً أفضل من قصيدة رائعة تُمَجد صفاته. لهذا السبب أتيتُ إليك الآن. أنا متأكد من أنك شاعرٌ عظيم ويُمكنك نَظْمُ قصيدة عَصماء تَمدحٌ بها صديقي. سأُخبِرك بالتفصيل بكل ما تحتاج إلى معرفتَه عنه. عليك فقط وضع هذا في أَبياتَ جميلة. ستكون هذه هي طريقتَك الأكيدة إلى الحرية والثروة والشهرة والسعادة. صدِّقني!
- حسنًا، سيدي. سأَبدأ من حيثُ انتهيتَ، إذا لم تُمانع يا سيدي. بالنسبة لي، أَفضل شيء في الحياة ليس الشهرة أو الثروة، بل أن تُحِبَّ وأن تُحَبَّ. وأفضلُ حبيب يُمكن أن يحظى به المرء هو الله!
- أوه، سلمان! أنت تتحدث معي هكذا وكأنني كافِر. دَعنا ننسى كل هذا ونصل مباشرة إلى الغَرَض. هاه؟ ماذا تقول؟ بالتأكيد ستكتبُ القصيدة، أليس كذلك؟
فَكر الشاعر. ثم قال:
- حسنًا، دعني أُفكر. سأُخبرك غدًا. غدًا صباحًا.
- أوه، سلمان! ما الذي سَتُفكر فيه اليومَ أو غداً؟ ألا تُريد أن تكون حرًا؟ ألا ترغب في أن تكون غنيًا؟ وإذا كنتَ لا تريد ذلك أنت شخصيًا، فَفَكر في زوجتك. ألن تكون أكثرَ سعادة إذا كانت حُرة؟ أوه، سلمان، أنت رجل حكيم. لا تَدع حكمتَك تخذُلك. هاه؟ أخبِرني الآن، متى ستكون القصيدة جاهزة؟
- لا أعرف. سيدي حسن، لماذا لا تُعطيني فرصةً للتفكير في الأمر؟ سأُخبرك غدًا صباحًا. هل الغدُ بعيد؟
- حسنًا. يُمكنك أن تُفكر. وفَكر جَيدًا! سأترُكك الآن. أَراك غداً صباحآ. السلام عليكم.

أمضى الشاعرُ تلك الليلة يُفكر. طلب ​​منه حسن أن يَختار بين أمرين: الحرية أو شيء آخر لا يكاد يَتصوره الآن. ماذا يستطيع أن يفعل؟ هل يُؤَلف القصيدة وبالتالي ينتشلُ نفسه من هذا المأزق؟ أم يَظل وفيّاً لمَبادئه بأي ثَمن؟ وكيف يكتب قصيدة عن شخص لا يَعرفه؟ كيف يَكتب شيئاً لا يشعُر به؟ بإِمكانه أن يفعل ذلك من أجل سلامته. ولكن ماذا سيقول لله يومَ القيامة؟... امتلأت عيناه بالدموع. جاهَدَ ألاّ يبكي خشيةَ أن يُوقظ زوجته النائمة بجانبه. أم هل يوقظها ويُخبرها بعذاباته؟ ماذا ستقول لو أخبرَها؟ هل ستصمُد في وجه "الولد الوسيم" لمُجرد مبادئ زوجها؟... لَم يوقِظْها. باتَ يُفكر وحده.

وفي الصباح الباكر كان حسن في المرعى. قال وهو يَجلس القُرفصاء:
- صباح الخير يا شاعرنا!
رَدَّ الشاعر بصوت خافت وهو ينظر إلى الأرض:
- صباح الخير يا سيدي.
- هل فكرتَ فيما قلتُه لك بالأمس؟
- نعم.
- إذَن؟
- كما تعلم، سيدي، ليس من السهل دائمًا تأليفُ قصيدة. يَجب على المرء أن يشعر أولاً، ثم يُفكر و-
- وماذا أيضا؟
- لا أعتقد أنني أستطيع كتابةَ القصيدة التي طلبتَ مني إياها، سيدي.
- لِمَ لا؟
حسنًا، أنا لا أعرف صديقَك شخصيًا. وحتى لو بذلتَ قُصارى جُهدك لوَصفه لي بالتفصيل، فَلن أتمكن من الشعور بأي شيء تُجاهه. وإذا لم أستطع الشعور بشيء، فلن أتمكن من قول قصيدة عنه. أنا بحاجة إلى الإلهام. هل فهمتَ ما أعنيه؟ (توقف الشاعر وأخَذ يَتنفس بصُعوبة. ثم قال:) حسنًا، ماذا لو جَلسنا مع السَّيد عاصم وعَرضنا الأمرَ عليه ونرى ماذا سيقول؟ رُبما تُساعدني كلماتُه على إخراجِ الشِّعرِ العالِق عميقًا في داخلي؟
- لا، لا! لا تَذكُر والدي! أنا أعرفُه. ليس له علاقة بهذا الأمر. أعتقد أنك تُحاول فقط خداعي.
- حاشا، سيدي! حاشا أن أُفكر في ذلك. فقط أشعر أنني لا أستطيع إرضاءَكَ هذه المرة.
- هل أنتظر؟ أسبوعاً واحداً؟ أُسبوعين؟
- حسنًا، لا أعرف. من فضلك، سيدي حسن، أَعفِني من هذا أَتوسل إليك. لِوجه الله تعالى أَعفِني! أنا الآن أَكره الشِّعر والشعراء. لقد مَر وقت طويل منذ أن قلت آخرَ بَيت.
وقف حسن. نظر إلى الشاعر وصرخ: أيها المجنون ، حتى والدي لا يجرُؤ على إغضابي. لقد أخطأتُ في المجيء إليك. لكنك سترى! الليلةَ ستُرجِعُ لي قِلادتي!
واستدار ليذهب، وقد اشتَطَّ غضبًا.

وفي وقت الغداء، أخبر الشاعرُ عاصم بالأمر. فابتسم عاصم وقال:
- وماذا تريد مني الآن؟
- حسنًا، لا أستطيع أن أَطلب من سوسن إعادةَ العقد. أنا متأكد من أنك لو تحدثت إليها فإنها ستَرُدُّه إليك.
- حسنًا. سأُحاول. الآن، تناول غداءَك وعُد إلى عملك.
- في ذلك المساء أُصيب الشاعر بِصُداع رهيب، ولَمّا عاد من المرعى وذهب مباشرة إلى خيمته. كانت سوسن هناك. وعندما دخل نظرت إليه باشمئزاز، ولم تَرُدَّ على سلامِه، بل غطَّت وجهها بيديها وتنَهدت بعمق. وجلس الشاعر على السجادة، وأطلق تنهيدة ثقيلة أيضًا؛ فقد كان يشعر بما كانت سوسن تُفكر فيه وتشعر به في تلك اللحظة. فهو أيضًا يُريد أن يكون حُرًّا، ويريد أن يَمتلك المال، ويُريد إرضاءَ زوجته، وإسعادَها، ونقلَها إلى مكان آخر والعيش معها في سلام ومحبة. ولكن ليس بأي طريقة. فَمِن الخطيئة الشنيعة أن يَكسبَ الكثير من المال من مَدحِ شخص لا يُكِنُّ له أيَّ مشاعر خاصة. وإذا اضْطُر إلى ذلك، فَلن يَتخلص أبدًا من تلك الخطيئة، وستكون حياتُه كلها مَبنية على الكسب الحرام. وهذا ما لَن يفعله ببساطة، حتى لَو اضطُر إلى البقاء عبدًا طوال حياته. قال فجأة لزوجته:
- هل تلوميني على ما حدث؟ (لم تُجِبه بكلمة. كانت صَمّاء كالفِراش الذي ترقُد عليه) لماذا لا تَتكلمين؟ أجيبي على سؤالي!
ظلت سوسن صامتة. خرج الشاعر ليَتوضأ وعاد إلى الخيمة دون أن يَنطق بكلمة. وبعد صلاة المغرب قرأ القرآن حتى حان وقت صلاة العشاء. صلى ثم استلقى بجانب زوجته على فِراش النوم، وانتظر أن تذهب هي إلى المُجَمع وتُحضِر له عشاءه. لَم تفعل. تحركت فقط لإطفاء السِّراج وعادت إلى مكانها.. للنوم. لم يَلمسها الشاعر. لم يَتحدث معها. لم يَستطع ذلك. فقط أطلقَ العِنان لأفكاره وانتظر أن يأتي النوم ليأخُذه بعيدًا وَلَو قليلاً.
 

.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire