محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

من هي سلطانة ؟

من هي سلطانة ؟

. 
تناول الشاعرُ الفطور مع عاصم في غرفة نومه. وبقيا هناك حتى أخبرهما سفيان أن حسن أخذ جواده ورحل. ثم صلى عاصم والشاعر معًا وانطلقا إلى بيت بطرس. وفي الطريق إلى هناك، سأل عاصم الشاعر العديد من الأسئلة حول محتويات بعض الكتب التي قرأها في الأشهر القليلة الماضية. وبينما كان الشاعر يعرض معرفته بالكتب، صاح عاصم: "الله أكبر!" كعلامة على دهشته وسعادته. وفي النهاية انفجر قائلاً:
- يا سلمان، كنتُ أتوقّع أن تُراوِغَ في الإجابة عن بعض أسئلتي. لقد استَعدتَ توازُنَك الآن. وأنا واثق أنك ستكون معلّمًا رائعًا!
- هذا ما أُريده يا سيدي. هذه ثَمَرةُ عملك. أحمدُ اللهَ الذي ساقني إليك.
- الله عَلِيٌّ كبير. بالي الآن مرتاح. على الرغم من أنك ستذهبُ وسأفتَقِدك
- أذهب؟ أنا؟ إلى أين؟
تنهد عاصم وقال:
- لا يُمكنك البقاءُ هنا بعد الآن. لن يسمح لك حسن بذلك. ستَأخُذ زوجتَك وتذهب إلى حيثُما تشاء. أرض الله واسعة وأينما ذهبتَ فثمّةَ وجه الله.
تَأثّرَ الشاعرُ وارتَبكَ للغاية لِدرجة أنه لم يستطِع التحدُّث. فَصمت هو وعاصم.

بَدا أن بطرس نفسَه كان ينتظرُهما. استقبلَهما بابتسامةٍ مَرحة وقادهما إلى أفضل غرفة في منزله. انضمّت إليهم سوسن بعد ذلك بوقت قصير. قدَّم بطرس لضيوفه الشاي والخبز المَغطوس في زيت الزيتون. قال بالعربية، وهو يَنظر مرةً إلى سوسن ثم مرة إلى الشاعر:
- لقد تأثرتُ بشدةٍ بما حدث لكما.
نظرت سوسن إلى الكاهن، ثم إلى الشاعر. ونظر إليها الشاعر و هو حالِمٌ. تحدث عاصم بعد ذلك وقال
- كنتُ أتمنى أن يَبقَيا معَنا لفترة أطول. لكن لسوء الحظ، لا أحدَ يستطيع أن يَتَحَمَّل ابني.
سأل بطرس بصوت خافت:
- إذن سيذهبان؟
- نعم. سيأخُذ سلمان زوجتَه ويذهبان.
التفتَ بطرس إلى الشاعر وقال بنَبرة قلِقةٍ:
- هل لديك أي فكرة إلى أين يُمكنك الذهاب؟
أجاب الشاعر بصوت خافت أيضاً:
- أرضُ الله واسعة، يا سيدي.
نظر بطرس إلى الشاعر بِوَجْهٍ عَبُوسٍ، ثم التفت إلى عاصم وقال:
- هل تعتقد أنه يستطيع حمايةَ زوجتِه بأي طريقة؟
ابتسم عاصم، ونظر إلى سوسن وأجاب:
سلمان يُحب زوجته. إنه يستطيع أن يُقاتل من أجلها إذا لَزِم الأمر. لقد أثبتَ ذلك بالفعل، أليس كذلك؟
نظر الشاعر إلى سوسن ليَرى كيف سيكون ردّ فعلها. فاكتفت بأن رمَقته بنظرة مُتعجرفة، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، مُحدّقةً في الفراغ. قال الكاهن:
- إذن، لا يَسعني إلا أن أُصَلّي من أجلهما. عسى الله أن يكون معهما، وأن يَهَبهُما القوة والمحبة المتبادلة. آمين.
ردّد الجميع: آمين!

بعد الشاي، خرج بطرس من الغرفة ثم عاد حامِلاً صليبًا صغيرًا من الفضة، قَدَّمه إلى سوسن قائلًا:
هذه هديتي لكِ. أرجو أن تَحتفظي بها للذكرى.
أجابت سوسن بابتسامة: شكرًا لك، أيها القسّ.
بَدت سوسن مسرورةً بالهدية، أمّا الشاعر فلم يكن كذلك. ومع ذلك، سرعان ما تغلّب على إحساسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ماكرة.

عندما غادروا منزلَ بطرس، قال عاصم لصديقه:
يا سيّد بطرس، أرجو أن تشهدَ أنّني الآن قد مَنَحْتُ هذين الاثنين ما كانا يَدينان بِه لي. إنَّهُما الآن حُرّان، مثلك ومثلي.
ابتسم الشاعر وبطرس. أما سوسن فقد بَدت غيرَ مُتأثرة.
قال عاصم: لِنذهب الآن!
نظرَ الشاعرُ بتَأثر إلى بطرس، الذي احتضَنه كأبٍ حنون. وتدفقت الدموع من عينَي الشاعر، وقال: ادعُ لي يا سيدي واغفِر لي ما صَدَرَ مني.
قال الكاهن: اللهم امنحه وزوجتَه الصحة والسعادة! آمين.
قال الشاعر باكياً: آمين!
قال الكاهن: اعتَنِ بزوجتك.
قال الشاعر: سأفعل. سأفعل.
ثم دعا بطرس من أجل سوسن أيضاً وَوَدَّعَها في رعاية الله.

في طريق العودة إلى المُجَمع، قال عاصم للشاعر:
- ستُغادِرُنا الليلةَ. سأُعيرُك بَغلَين: أحدُهما تَركبُه أنت والآخر تَركبه زوجتك. ستَذهبان إلى حيثُ يُمكنكما ركوب القارب، إذا كنت مُتجهًا شمالاً. سأُريك أين تَترك البَغلين. الآن، دعني أقول بِضع كلمات لزوجتك. سوسن، هل تستمعين إلي؟
- نعم، سيدي.
- اسمَعي، إذن، بارك الله فيك. كان بإمكاني أن أُزوِّجك من ابني حسن. لكن صدِّقيني يا ابنتي: هذا الرجل، سلمان - زوجك - هو أفضلُ بعشرة آلاف مرة من ابني. ( ابتسمت سوسن بينما تابع عاصم كلامه.) وأنا مُتأكدٌ أنك إذا حاولتِ فَهمَ زوجِك والوقوف إلى جانبه في كل الصعوبات، فَستَكونين أفضلَ بعشرة آلاف مرة من أفضلِ زوجات ابني وخادِماتِه!
- سأفعل ما بوُسعي، سيدي. فقط أتمنى ألاّ يَقودني إلى حَتفي ... في الصحراء!
ضحك عاصم وقال: لا! لا يُمكِن هذا! لا تقلقي! إنه ليس أحمقا.

حلَّ الليل وجاءت معه ساعة الوداع. كان البَغْلان جاهزَين، وبجانبها وقف الشاعر وسوسن وسفيان. كان الشاعر وسوسن يَحملان حقيبة لِكل منهما. وبينما كانوا ينتظرون عاصم للانضمام إليهم، تأَمل الشاعر المكانَ الساحر من حوله والقمرَ الذي يُراقب من الأعلى، مِمّا جَلب الدموع إلى عينيه. نظر إليه سفيان وقال:
- سأَفتقِدك يا ​​سلمان!
فَبكى الشاعر، وقال:
- وأنا أيضًا سأفتقدُكم جميعًا يا سفيان!
- أنا آسف لما حدث.
وانفجر سفيان بالبكاء. حتى سوسن أدارت وجهَها لإخفاء دموعها. وخرج عاصم وانضَمَّ إليهم، وقال وهو يُواجه الشاعر:
ما كل هذا البكاء؟
فأطلق الشاعر العِنان لدُموعه. وبِالكادِ استطاع عاصم نفسُه أن يحبِس دموعه. قال وهو يَفتح ذراعيه ليُعانق الشاعر: تعال! تعال!
وانهمَرت الدموع الحارّة من عينيهما معًا. ثم قال عاصم بصوت مُتَكسّر: يا سلمان، أنا لا ألومُك على شيء. لم ترتكب أي خطأ. أنا فخور بك!
ثم ترك عاصمُ الشاعرَ والتفت إلى سوسن وقال: سوسن، أنتِ الآن حُرة. (مسحت سوسن وجهها والتفتت إليه وهو يضيف:) وأنا فخور بكِ أنتِ أيضًا.
أخرج من جيبه عقدًا ذهبيًا وقدّمه إلى سوسن. تردَّدت قليلًا، ثم أخذَته أخيرًا بيَدين مُرتَعِشتين. أغمضت عينيها لحظة، ثم ابْتلّت وجْنتاها بالدموع. ابتسم لها عاصم وقال بلطف: والآن اركبي يا ابنَتي!
احتضن الشاعر سفيان الذي بَكى بحُرقة، ثم اِرْتَمى بَيْنَ أَحْضانِ عاصم مرة أخرى، وأخذ حقيبته وركب البغل. ابتسمت سوسن لسفيان وانحنت لعاصم وركبت بغلها. اقترب عاصم من الشاعر ووقف بينه وبين سوسن وقال:
- سلمان، إذا التقَيتَ سلطانة مرة أخرى - من يدري؟ - أرجو أن تُبلِغَها سلامي وأَخبِرها أنني تمَنَّيتُ لو كان لي شرَفُ رؤيتها. وإذا طاردَك حسن، فحاوِل ألا تقتُله. واعْتنِ بأميرتِك سوسن وبنفسك.
- إن شاء الله. إن شاء الله. (ابتسم سلمان، وقد جَفَّت عيناه من الدموع.)
- والآن خذ هذه.
أخرج عاصم جزداناً من جيبه وأعطاه للشاعر، الذي قال:
- أوه، شكرًا جزيلاً لك، سيدي عاصم! أنا مُمتن لك بلا حدود، سيدي. لا أستطيع أن أشكرك بما فيه الكفاية!
- حاوِِل أن تكتبَ لي إذا استطعت. الآن، يُمكنكما الذهاب. الله معكما. اذهبا بسلام.
- إن شاء الله. إن شاء الله.

تحركت البِغال. وتبادل الشاعر وسوسن وعاصم والصبي آخِر إشارات الوداع. وبدأت الرحلة.

وبَعد أن قطَعا مسافة طويلة أبعَدَتهما عن منزل عاصم، التفتت سوسن إلى الشاعر وسألته:
- من هي سلطانة؟
أجاب الشاعر باقتضاب: زوجتي الأولى.
ولم تُضِف سوسن المزيد.

بعد ساعةٍ كان الشاعر يُفكر في أمرٍ سَلَب لُبَّه. ما زال يُحِس الدّهشةِ من الخِفّة التي امْتطت بها سوسن بَغلها، وقبْلَ ذلك، ارتدت السيف الذي أعطاها إياه عاصم للدفاع عن نفسها! (أعطي الشاعرَ أيضاً سَيفاً). فَكر الشاعر بعمق في هذا الأمر وقارَنه برَد فِعل سوسن عندما اندفع حسن خلفه، ووجد صعوبة في فَهم ما رأى. فَقرّر أن يسأَلها. قال دون أن ينظر إليها:
- أخبريني يا سوسن؟
- نعم؟
- هل ركبتِ حصاناً من قبلُ؟
ضحكت سوسن وأجابت باستِعلاء: لقد أُسِرتُ في معركةٍ، وليس في مَطبخ أمي!
مَلأتْ هذه الكلماتُ قلبَ الشاعرِ بمزيج من الخوف والكبرياء. تركته بلا كلام. لم يستطع أن يفعل أكثر من التفكير بعمق في هذه المرأة ذات البشرة الفاتحة التي تركب بغلاً بجانبه. قادته أفكارُه إلى مُقارنة سوسن بسلطانة. وسُرعان ما نسي سوسن تمامًا. فكر، من بين أشياء أخرى، في طريق العودة إلى لْحْريم . قالت سوسن فجأة بصوت لطيف:
- هل أنت عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ أَمْرِِك؟
- لا، إطلاقاً.
- إذاً، فلنسترح قليلاً.
- هنا؟
- نعم!
- كما تُريدين يا عزيزتي.
ترَجَّل الشاعرُ وزوجته وجلسا جنبًا إلى جنب على صخرة منخفضة تواجه بحيرة كبيرة. قال الشاعر بابتسامة جميلة:
- إنه لَمشهدٌ رائع، أليس كذلك؟ القمر، النسيم، البُحيرة ... وأنتِ!
- أَها!
أخرج الشاعرُ النّايَ من حقيبته وبدأ يعزف عليه، وسُرعان ما تدفقت إلى ذهنه ذكريات بَلَدِه واضحة ونقية وحَيَّةً. ابتسمت له سلطانة وغنى لها.... قالت سوسن فجأة:
- في ماذا تفكر؟
- ماذا؟
- قلتُ، في ماذا كنتَ تُفكر؟
ابتسم الشاعر وقال:
- فيكِ، طبعا!
- آه، فهمت!
وعاد الشاعرُ إلى عَزفِه، عَزفِ الحَنين إلى الوطن.

النهاية


                     النسخة الإنجليزية

                     

                     THE POET

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire