محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

محمد علي لكوادر المحمدية، المملكة المغربية

dimanche 29 septembre 2024

الفصل الثامن


النسخة   الإنجليزية


THE TAILOR OF MOGADOR



الفصل الثامن

 


في الصَّبَاحِ غَادَرَ الطَّاهِرُ الفُنْدُقَ وَعَادَ إِلَى مَنْزِلِ وَالِدَيْهِ عَلَى صَهْوَةِ جَوَادِهِ وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ. كُلُّ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ، كُلُّ شَجَرَةِ تِينٍ، كُلُّ كَرْمَةٍ، كُلُّ حِمَارٍ - كُلُّ مَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ فِي طَرِيقِهِ جَعَلَهُ يَشْتَاقُ إِلَى أُسْرَتِهِ وَإِلَى الزَّاهِيَة وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ.

لَكِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ لَمْ يَهْرَعْ أَحَدٌ لِاسْتِقْبَالِهِ. كُلُّ مَنْ رَآهُ تَجَنَّبَهُ كَأَنَّهُ الطَّاعُونُ. حَتَّى أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَحَتَّى أَخُوهُ. نَاهِيكَ عَنِ الشَّبَابِ فِي البَرَّاكَةِ وَكُلِّ مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ أَهْلِ القَرْيَةِ! حَارَ الطَّاهِرُ وَطَارَ عَقْلُهُ أَوْ كَادَ وَصَارَ يُسَائِلُ نَفْسَهُ كَالمَجْنُونِ: مَا هَذَا؟ لِمَاذَا يَتَجَنَّبُنِي الجَمِيعُ؟ لَقَدْ غَادَرَ الأَوْلَادُ البَرَّاكَةَ عِنْدَمَا رَأَوْنِي! وَمْوِيسَة تَرَكَ حِصَانَهُ وَهَرَبَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَكَأَنَّهُ رَأَى شَبَحاً! حَتَّى أَبِي نَظَرَ إِلَيَّ مِنْ طَرَفِ عَيْنِهِ. وَأُمِّي رَفَضَتِ التَّحَدُّثَ مَعِي! لِمَاذَا؟

فِي نَوْبَةِ غَضَبٍ، رَكَضَ الطَّاهِرُ إِلَى ضَفَّةِ النَّهْرِ وَخَلَعَ جِلْبَابَهُ وَانْدَفَعَ إِلَى أَسْفَلِ المُنْحَدَرِ وَسَبَحَ إِلَى الجَانِبِ الآخَرِ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى مَنْزِلِ الزَّاهِيَة بِسُرْعَةِ البَرْقِ الخَاطِفِ. نَبَحَتِ الكِلَابُ لَمَّا وَقَفَ عِنْدَ البَابِ. الزَّاهِيَة نَفْسُهَا أَطَلَّتْ مِنَ النَّافِذَةِ، وَفَغَرَتْ فَاهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ رَاكِضَةً، لَكِنَّ وَالِدَهَا ظَهَرَ فِي اللَّحْظَةِ التَّالِيَةِ وَدَفَعَهَا بِعُنْفٍ إِلَى دَاخِلِ الفِنَاءِ، وَقَالَ: مَاذَا تَفْعَلُ هُنَا أَيُّهَا السَّاحِرُ؟ أَتَعْتَقِدُ أَنَّنِي سَأُعْطِي ابْنَتِي لِشَخْصٍ شِرِّيرٍ، شَيْطَانٍ مِثْلِكَ؟ ثُمَّ اسْتَدَارَ وَصَرَخَ فِي ابْنَتِهِ المَذْعُورَةِ. أَحْضِرِي لِي تِلْكَ الخِرَقَ الَّتِي أَعْطَاكِ إِيَّاهَا! هَيَّا بِسُرْعَةٍ! وَفِي لَمْحِ البَصَرِ، أَحْضَرَتِ الزَّاهِيَة حُزْمَةً حَمْرَاءَ وَسَلَّمَتْهَا بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ إِلَى وَالِدِهَا، الَّذِي أَلْقَاهَا مِثْلَ حَجَرٍ عَلَى الطَّاهِرِ، الَّذِي صَاحَ فَجْأَةً:

لَا بُدَّ أَنَّهُ هُوَ! سَأَقْتُلُهُ!

ثُمَّ اسْتَدَارَ نَحْوَ النَّهْرِ. وَلَكِنَّهُ كَانَ خَائِرَ القِوَى. لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ القُوَّةَ لِيَغُوصَ فِي النَّهْرِ وَيَسْبَحَ عَائِداً إِلَى الضَّفَّةِ الأُخْرَى. كَانَ يَرْتَجِفُ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ. وَكَانَ يَغْلِي مِنَ الغَضَبِ. وَفَجْأَةً سَمِعَ صَوْتاً يُنَادِيهِ آ الطَّاهِر! الطَّاهِر! انْتَظِرْ!

كَانَتِ الزَّاهِيَة تَجْرِي كَالمَجْنُونِ. وَقَفَتْ أَمَامَهُ حَافِيَةَ القَدَمَيْنِ. ظَلَّلَ شَعْرُهَا الأَشْقَرُ جَبْهَتَهَا. كَانَ صَدْرُهَا يَنْبِضُ مِثْلَ المِنْفَاخِ. قَالَتْ وَهِيَ تَلْهَثُ، وَعَيْنَاهَا الزَّرْقَاوَانِ تَرْمِشَانِ فِي الشَّمْسِ:

أَعْرِفُ. أَعْرِفُ أَنَّ الطْوِيهْر هُوَ الَّذِي شَوَّهَ اسْمَكَ. أَعْرِفُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَشَرَ الشَّائِعَاتِ عَنْكَ.

هَذَا مَا اسْتَحَقَّيْتُهُ، أَنَا الَّذِي قُدْتُهُ إِلَى حَضْرَةِ الأَمِيرِ! (ثُمَّ صَاحَ بِجُنُونٍ:) لَنْ أَكُونَ رَجُلاً حَقِيقِيًّا إِذَا تَرَكْتُهُ يَعِيشُ حَتَّى الغَدِ!

لَا تَقُلْ ذَلِكَ آ الطَّاهِر! (بَقِيَتِ الزَّاهِيَة تَتَوَسَّلُ إِلَى الطَّاهِرِ غَيْرَ مُكْتَرِثَةٍ بِالأَطْفَالِ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ نَحْوَهُمْ.) لَا تَقْتُلْ أَحَداً! فَكِّرْ بِي! لَا أُرِيدُ أَنْ أَفْقِدَكَ. لَا تَنْسَى أَنَّ حَيَاةَ الإِنْسَانِ عَزِيزَةٌ عَلَى اللهِ! دَعْنَا نَذْهَبْ إِلَى القَاضِي وَنَتَحَدَّثْ مَعَهُ!

لَمْ يَسْتَطِعِ الطَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ المَزِيدَ الآنَ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَتِ الزَّاهِيَة بِذِرَاعِهِ وَحَثَّتْهُ عَلَى الصَّبْرِ، مُتَحَدِّثَةً بِمَشَاعِرَ رَقِيقَةٍ. صَاحَتْ فَجْأَةً، وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا: دَعْنَا نَذْهَبْ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ! تَعَالَ الآنَ!

وَانْطَلَقَا بَعِيداً، مُتَّجِهَيْنِ غَرْباً، غَيْرَ مُبَالِيَيْنِ بِالأَطْفَالِ الَّذِينَ كَانُوا يَصِيحُونَ عَوْداً عَوْداً. قَالَتِ الزَّاهِيَة: انْظُرْ هُنَاكَ! هَذَا الحِصَانُ طَلِيقٌ! كُنْ شُجَاعاً وَاذْهَبْ وَخُذْهُ! لَا تُفَكِّرْ فِي أَيِّ شَخْصٍ الآنَ! فَقَطْ فَكِّرْ فِيكَ وَفِيَّ!

وَقَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ الزَّاهِيَة كَلَامَهَا طَارَ الطَّاهِرُ إِلَى الحِصَانِ وَرَكِبَهُ وَسَاعَدَ الزَّاهِيَة عَلَى الرُّكُوبِ عَلَيْهِ خَلْفَهُ، وَقَالَ: إِيَّاكِ أَنْ تَسْقُطِي! فَرَدَّتْ عَلَيْهِ الزَّاهِيَة: لَا تَقْلَقْ! تَابِعْ طَرِيقَكَ! وَمِثْلَ شَامَة مِنْ قَبْلُ، تَشَبَّثَتِ الزَّاهِيَة بِهِ؛ لَفَّتْ ذِرَاعَيْهَا حَوْلَ بَطْنِهِ وَهَمَسَتْ فِي أُذُنِهِ: مَا زَالَ أَمَامَنَا طَرِيقٌ قَصِيرٌ! تَشَجَّعْ! لَقَدِ اقْتَرَبْنَا!

فِي غُضُونِ لَحَظَاتٍ، تَحَوَّلَتِ النَّارُ إِلَى بَرْدٍ. وَغَسَلَ الحُبُّ الكَرَاهِيَةَ. كَانَتِ الزَّاهِيَة كُلَّ العَالَمِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ الآنَ بَعْدَ أَنْ رَآهَا مُنْعَكِسَةً فِي مِيَاهِ النَّهْرِ. سَتَظَلُّ هَذِهِ الصُّورَةُ عَالِقَةً فِي ذِهْنِهِ طَالَمَا عَاشَ. كَانَتْ تِلْكَ صُورَتَهَا فِي لَحْظَةِ حُبِّهَا الَّذِي رَأَى نُورَ الحُرِّيَّةِ، فِي لَحْظَةِ جَمَالِهَا الطَّبِيعِيِّ، ذَلِكَ الجَمَالِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكْيَاجٍ. مَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ جَمَالاً مِنْ جُلُوسِهَا خَلْفَهُ عَلَى ظَهْرِ حِصَانٍ، وَهِيَ تَهْمِسُ لَهُ: لَا تَهْتَمَّ بِأَحَدٍ! فَقَطْ فَكِّرْ فِيكَ وَفِيَّ! كَمْ كَانَ حُرًّا! كَمْ كَانَتِ الحَيَاةُ جَمِيلَةً! النَّهْرُ بِضِفَافِهِ الخَضْرَاءِ، وَالسَّمَاءُ الزَّرْقَاءُ الصَّافِيَةُ، وَالطُّيُورُ، وَحَفِيفُ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ، وَوُجُوهُ الأَطْفَالِ الفَاغِرَةِ أَفْوَاهُهَا عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ... آهٍ، لَوْ أَنَّ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ تَدُومُ إِلَى الأَبَدِ!

وَلَكِنَّ - وَلِلأَسَفِ! - سُرْعَانَ مَا وَصَلَا إِلَى مَنْزِلِ القَاضِي. خَرَجَ عَلِيٌّ وَقَالَ، وَهُوَ يَرْفَعُ حَاجِبَيْهِ:

مَا هَذَا؟

قَالَتِ الزَّاهِيَة:

جِئْنَا لِرُؤْيَةِ عَمِّي عَلَّال. هَلْ عَادَ مِنَ العَمَلِ بَعْدُ؟

لَا، لَيْسَ بَعْدُ. لِمَاذَا أَنْتِ حَافِيَةُ القَدَمَيْنِ؟

لَا تَحْتَرْ كَثِيراً بِشَأْنِ نَوَايَانَا! سَأَشْرَحُ لَكَ مَا حَدَثَ. كَانَ الطَّاهِرُ سَيَقْتُلُ شَخْصاً تَعَدَّى عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ - مَنَعْتُهُ. خَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ وَيَفْعَلَ شَيْئاً فَظِيعاً، لِذَلِكَ تَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى هُنَا وَيَتَحَدَّثَ إِلَى سَيِّدِي القَاضِي أَوَّلاً. هَلْ هَذَا وَاضِحٌ الآنَ؟

حَسَناً! اجْلِسَا! سَأُحْضِرُ لَكُمَا الشَّايَ.

لَا يُمْكِنُنَا البَقَاءُ هُنَا، كَمَا تَعْلَمُ؛ قَدْ يَكُونُ وَالِدِي عَلَى آثَارِنَا، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنَا سَرَقْنَا هَذَا الحِصَانَ لِلتَوِّ، إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا؛ وَ-

لَا تَقْلَقِي! لَنْ يَأْتِيَ وَالِدُكِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّكِ سَتَعُودِينَ إِلَى المَنْزِلِ سَالِمَةً. وَلَنْ يُكَلِّفَ مَالِكُ الحِصَانِ نَفْسَهُ عَنَاءَ مُتَابَعَتِكُمَا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَسْتَعِيدُهُ عَاجِلاً أَمْ آجِلاً. لِذَا اهْدَأَا! سَأُحْضِرُ لَكُمَا الشَّايَ. لَنْ أَتَأَخَّرَ.

ابْتَسَمَتِ الزَّاهِيَةُ وَهِيَ تَنْظُرُ بِحَنَانٍ إِلَى الطَّاهِرِ:

لَقَدْ كِدْتَ أَنْ تُصْبِحَ قَاتِلاً!

أَمْسِكِي لِسَانَكِ وَإِلَّا سَأَذْهَبُ وَأَفْعَلُهَا!

أَتَجْرُؤُ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ؟

مَدَّ الطَّاهِرُ يَدَهُ، لَكِنَّ الزَّاهِيَة أَفْلَتَتْ مِنْ قَبْضَتِهِ وَابْتَعَدَتْ عَنْهُ. تَوَجَّهَتْ نَحْوَ بَقَرَةٍ تَرْعَى حَوْلَ شَجَرَةِ أَرْگَان وَجَلَسَتْ بِالقُرْبِ مِنْ ضَرْعِهَا وَتَظَاهَرَتْ بِأَنَّهَا تُرِيدُ حَلْبَهَا. نَظَرَ الطَّاهِرُ بِنَظْرَةٍ حَالِمَةٍ إِلَى وَجْهِهَا المُبْتَسِمِ وَهِيَ تَسْتَدِيرُ لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ. وَقَفَ هُنَاكَ يَنْظُرُ إِلَى الزَّاهِيَة وَهِيَ تَنْهَضُ وَتَخْطُو بِضْعَ خَطَوَاتٍ نَحْوَهُ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ. كَانَتْ آيَةً فِي فُسْتَانِهَا الأَصْفَرِ البَسِيطِ السَّاحِرِ. لَقَدْ أَبْرَزَتْ قَدَمَاهَا العَارِيَتَانِ جَمَالَهَا الطَّبِيعِيَّ. فَجْأَةً حَوَّلَ الطَّاهِرُ نَظَرَهُ. تَرَاكَمَ الدَّمُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ عِنْدَمَا أَدْرَكَ سَبَبَ وُجُودِهِ مَعَهَا هُنَا فِي المَقَامِ الأَوَّلِ. تَنَهَّدَ قَائِلاً: كِدْتُ أَنْ أُصْبِحَ قَاتِلاً. كَانَتْ مُحِقَّةً! يَا لَهَا مِنْ حَسْنَاءَ فَاتِنَةٍ!

خَرَجَ عَلِي وَوَجَدَهُمَا مُنْفَصِلَيْنِ، فَقَالَ لَهُمَا:

مَرْحَباً! تَعَالَيَا لِتَنَاوُلِ الشَّايِ!

وَهَكَذَا جَلَسُوا جَمِيعاً فِي ظِلِّ شَجَرَةِ أَرْگَان وَتَحَدَّثُوا أَثْنَاءَ تَنَاوُلِ الشَّايِ.

قَالَ الطَّاهِرُ:

مَا آخِرُ الأَخْبَارِ؟

أَجَابَ عَلِي مُبْتَسِماً:

لَقَدْ رَأَيْتُ شَيْئاً فِي المَنَامِ!

أَهِيَ رُؤْيَا صَالِحَةٌ؟

بِالتَّأْكِيدِ!

حَدِّثْنَا، إِذَنْ؟

حَسَناً، لَقَدْ أَخْبَرْتُ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصٍ مُخْتَلِفِينَ بِرُؤْيَايَ وَقَالُوا جَمِيعاً إِنَّنِي سَأَتَزَوَّجُ امْرَأَةً مُطَلَّقَةً لَدَيْهَا طِفْلٌ مِنْ عَبْدَة!

مَبْرُوكٌ!

اللهُ يُبَارِكُ فِيكَ!

هَلْ رَأَيْتَهَا مُؤَخَّراً؟

نَعَمْ.

قَالَتِ الزَّاهِيَة بِفُضُولٍ:

عَمَّنْ تَتَحَدَّثَانِ؟

قَالَ الطَّاهِرُ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:

عَنْ حَسْنَاءَ شَقْرَاءَ أَنْقَذَتْنِي مِنِ ابْنِ القَايْدِ فِي عَبْدَة.

لِمَاذَا لَمْ تَتَزَوَّجْهَا أَنْتَ إِذَنْ؟

أَلَمْ تَأْمُرِينِي بِتَطْهِيرِ قَلْبِي وَعَقْلِي مِنْ زِينَةَ؟

هَلْ تَعْرِفُهَا شَخْصِيًّا؟

حَسَناً، عَلِي سَيُخْبِرُكِ بِالقِصَّةِ كَامِلَةً.

لَمْ يَكُنْ عَلِي قَدِ انْتَهَى مِنَ القِصَّةِ بَعْدُ عِنْدَمَا صَهَلَ حِصَانُ القَاضِي.

نَهَضَ الثَّلَاثَةُ وَقَبَّلُوا يَدَ القَاضِي. حَاوَلَ عَلِي أَنْ يَشْرَحَ سَبَبَ وُجُودِ الِاثْنَيْنِ الآخَرَيْنِ هُنَاكَ.

قَالَ القَاضِي لِلزَّاهِيَة: هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ هَلْ أَرَادَ حَقًّا قَتْلَ شَخْصٍ مَا؟

نَعَمْ، عَمِّي عَلَّال.

اصْفَعِيهِ عَلَى وَجْهِهِ!

(صَفَعَتِ الزَّاهِيَةُ الطَّاهِرَ عَلَى وَجْهِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ.)

قَالَ القَاضِي: مَرَّةً أُخْرَى!

كَبَحَ الطَّاهِرُ دُمُوعَهُ وَأَدَارَ الخَدَّ الآخَرَ، لَكِنَّ الزَّاهِيَة تَرَدَّدَتْ.

قَالَ القَاضِي بِصَرَامَةٍ: قُلْتُ اصْفَعِيهِ!

وَصَفَعَتْهُ.

قَالَ القَاضِي لِلطَّاهِرِ: كَيْفَ تَشْعُرُ الآنَ؟

قَالَ الطَّاهِرُ بِخَجَلٍ: أَشْعُرُ بِالأَلَمِ يَا قَاضِي!

فَرَدَّ القَاضِي سَاخِراً: تَأَلَّمْتَ؟ الزَّاهِيَة، الْتَقِطِي هَذَا الحَجَرَ!

وَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الطَّاهِرُ يَشُكُّ فِي أَنَّ القَاضِي سَيَطْلُبُ مِنَ الزَّاهِيَة أَنْ تَضْرِبَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِذَلِكَ الحَجَرِ، أَطْلَقَ سَاقَيْهِ لِلرِّيحِ.

وَبَعْدَ مُرُورِ أَكْثَرَ مِنْ سَاعَةٍ بِقَلِيلٍ، كَانَ الأَرْبَعَةُ فِي مَنْزِلِ الزَّاهِيَة.

قَالَ القَاضِي: لَقَدْ جِئْتُ اليَوْمَ كَقَاضٍ وَكَصَدِيقٍ لِلْعَائِلَةِ. أَنْتُمْ جَمِيعاً تَعْلَمُونَ مَا أَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمٍ. فَأَنَا أَسْتَمِعُ إِلَى المُتَخَاصِمِينَ مِنَ النَّاسِ وَأُصْدِرُ أَحْكَاماً بِنَاءً عَلَى مَا أَرَى وَمَا أَسْمَعُ. وَلِهَذَا السَّبَبِ أُسَمَّى قَاضِياً. مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَكُونَ القَاضِي عَادِلاً، وَهَذَا مَا أُحَاوِلُ الِالْتِزَامَ بِهِ. لِذَا فَقَدْ جِئْتُ اليَوْمَ، كَمَا قُلْتُ، كَقَاضٍ وَكَصَدِيقٍ لِلْعَائِلَةِ.

قَالَ وَالِدُ الزَّاهِيَة بِفُتُورٍ: عَلَى الرَّحْبِ وَالسَّعَةِ!

اسْتَغْرَقَ القَاضِي سَاعَاتٍ فِي تَبْدِيدِ شُكُوكِ وَالِدِ الزَّاهِيَة. قَالَ وَالِدُ الزَّاهِيَة فِي النِّهَايَةِ، بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ عَلَى شَفَتَيْهِ: آمُلُ أَلَّا يَكُونَ سَاحِراً. وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ، سَيِّدِي القَاضِي، سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئاً بِشَأْنِ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ سَاحِرٌ. هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ فِي بَلْدَتِنَا!

اتْرُكِ الأَمْرَ لِي! وَالآنَ أَعْطِنَا شَيْئاً نَأْكُلُهُ إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ!

سَأُحْضِرُهُ عَلَى الفَوْرِ، سَيِّدِي.

وَبَيْنَمَا كَانَ وَالِدُ الزَّاهِيَة خَارِجَ الغُرْفَةِ، الْتَفَتَ القَاضِي إِلَى الطَّاهِرِ وَقَالَ:

سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ العَوْدَةُ إِلَى مُوگَادُور فِي أَقْرَبِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ. سَأُحَاوِلُ حَلَّ مُشْكِلَتِكَ مَعَ النَّاسِ هُنَا. وَلَا تُفَكِّرْ أَبَداً فِي قَتْلِ أَيِّ شَخْصٍ. إِذَا أَسَاءَ إِلَيْكَ أَحَدٌ، فَاذْهَبْ إِلَى القَاضِي! هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ المُسْلِمُ الصَّالِحُ.

هَذَا مَا سَأَفْعَلُهُ، سَيِّدِي القَاضِي.

قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ.

إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَقَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ الطَّاهِرُ، فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، طَلَبَ رُؤْيَةَ الزَّاهِيَة. وَلِدَهْشَتِهِ، خَرَجَتِ الزَّاهِيَة إِلَيْهِ مُرْتَدِيَةً التَّكْشِيطَةَ الَّتِي صَنَعَهَا لَهَا.

قَالَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ بِحَنَانٍ:

أَهُنَاكَ مُشْكِلَةٌ؟

لَا، إِطْلَاقاً! أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أَقُولَ: شُكْراً لَكِ عَلَى إِنْقَاذِي مِنْ نَفْسِي! أَرَاكِ لَاحِقاً، إِنْ شَاءَ اللهُ.

إِنْ شَاءَ اللهُ! وَدَاعاً!

وَعَادَ الطَّاهِرُ إِلَى مُوگَادُور. وَحَالَمَا وَصَلَ، أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الفُنْدُقِ أَنَّ إِسْمَاعِيل قَدْ سَأَلَ عَنْهُ لِلتَوِّ. تَنَاوَلَ الطَّاهِرُ وَجْبَةً سَرِيعَةً وَاتَّجَهَ إِلَى المَسْجِدِ. قَفَزَ قَلْبُهُ فِي صَدْرِهِ عِنْدَمَا رَأَى إِسْمَاعِيل قَادِماً نَحْوَهُ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الزُّقَاقِ. قَالَ الطَّاهِرُ:

اعْتَقَدْتُ أَنَّ صَاحِبَ الفُنْدُقِ كَانَ يَمْزَحُ، لِأَنَّ اليَوْمَ لَيْسَ الخَمِيسَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

هَذَا صَحِيحٌ. اليَوْمُ لَيْسَ الخَمِيسَ، لَكِنَّنِي أَنَا هُنَا مِنْ أَجْلِكَ أَنْتَ فَقَطْ.

أَيُّ أَخْبَارٍ؟

نَعَمْ، أَخْبَارٌ جَيِّدَةٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ.

أَخْبِرْنِي بِسُرْعَةٍ!

حَسَناً، كَلَّفَنِي الأَمِيرُ بِإِعْطَائِكَ المَالَ، وَقَدْ أَرْسَلَ لَكَ رِسَالَةً. عِنْدَمَا نَلْتَقِي فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ اليَوْمَ سَأُسَلِّمُكَ الرِّسَالَةَ وَالمَالَ. هَلْ أَنْتَ سَعِيدٌ الآنَ؟

رَدًّا عَلَى ذَلِكَ، ابْتَسَمَ الطَّاهِرُ ابْتِسَامَةً أَغْنَتْ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ.

لَكِنَّ عِنْدَمَا قَرَأَ رِسَالَةَ الأَمِيرِ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ اخْتَفَتِ السَّعَادَةُ مِنْ وَجْهِهِ. جَاءَ فِي الرِّسَالَةِ: "لَا تَسُبَّ الحُكَّامَ!" لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا السَّطْرِ. قَالَ الطَّاهِرُ، وَقَدْ مَلَأَ الخَوْفُ قَلْبَهُ: مَاذَا عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ الآنَ؟

أَجَابَ إِسْمَاعِيل بِهُدُوءٍ:

لَا تَفْعَلْ أَيَّ شَيْءٍ عَلَى الإِطْلَاقِ! هَلْ طُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئاً؟ لَا. طُلِبَ مِنْكَ فَقَطْ تَتَجَنَّبَ فِعْلَ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ. قَالَتْ لَكَ الرِّسَالَةُ: لَا تَسُبَّ الحُكَّامَ! إِذَنْ لَا تَسُبَّ الحُكَّامَ. هَذَا هُوَ أَفْضَلُ رَدٍّ!

بَقِيَ إِسْمَاعِيل فِي مُوگَادُور حَتَّى افْتَتَحَ الطَّاهِرُ دُكَّانَهُ.

قَالَ إِسْمَاعِيل بِتَوَاضُعٍ فِي اليَوْمِ الَّذِي بَدَأَ فِيهِ الطَّاهِرُ العَمَلَ فِي دُكَّانِهِ:

مَاذَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ مِنْ أَجْلِكَ الآنَ؟

لَقَدْ سَاعَدْتَنِي كَثِيراً يَا إِسْمَاعِيل! لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِدَ كَلِمَاتٍ تَفِي بِشُكْرِكَ. كَانَتِ العَقَبَةُ الكُبْرَى هِيَ الأَمِينُ. لَقَدْ بَقِيتَ مَعِي حَتَّى أَعْطَانِي الإِذْنَ، ثُمَّ سَاعَدْتَنِي فِي العُثُورِ عَلَى هَذَا المَكَانِ. أَوَدُّ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ خِدْمَةً أُخْرَى، لَوْ سَمَحْتَ: أَنْ تَذْهَبَ مَعِي إِلَى المَنْزِلِ فِي بَلْدَتِنَا لِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الدُّكَّانَ مَفْتُوحٌ الآنَ، لَا يُمْكِنُنِي حَقًّا البَدْءُ فِي العَمَلِ حَتَّى أُقِيمَ عَلَاقَاتٍ هُنَا. يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ الكَثِيرَ مِنَ العَمَلِ مِنْ قِبَلِ الكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ لِصُنْعِ لَبْسَةٍ وَاحِدَةٍ. لَا يُمْكِنُكَ إِنْجَازُ كُلِّ العَمَلِ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، أَوْ بِمُفْرَدِكَ، مَا لَمْ تَكُنْ تَعْمَلُ، بِالطَّبْعِ، لَدَى ابْنِ قَايْدٍ!

لَا تَسُبَّ الحُكَّامَ!

هَلِ ابْنُ القَايْدِ سُلْطَانٌ؟

يَا أَخِي، يَجِبُ الحُكْمُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ بِأَفْعَالِهِ، أَيًّا كَانَ لَقَبُهُ.

أَنَا آسِفٌ.

مَتَى سَتَعُودُ إِلَى المَنْزِلِ؟

سَأَتْرُكُ الأَمْرَ لَكَ.

سَنَذْهَبُ غَداً صَبَاحاً، إِنْ شَاءَ اللهُ، جَيِّدٌ؟

إِنْ شَاءَ اللهُ.

عِنْدَ مُغَادَرَةِ مُوگَادُور، طَلَبَ إِسْمَاعِيلُ مِنَ الطَّاهِرِ أَنْ يُغَنِّيَ لَهُ أُغْنِيَةً. فَذُهِلَ الطَّاهِرُ، وَبَدَأَ فِي الغِنَاءِ عَلَى الفَوْرِ.

عِنْدَ وُصُولِهِمَا، طَلَبَ إِسْمَاعِيلُ مِنَ الطَّاهِرِ أَنْ يَأْخُذَهُ إِلَى القَاضِي. قَالَ الطَّاهِرُ: دَعْنَا نَشْرَبْ كُوباً مِنَ الشَّايِ ثُمَّ نَذْهَبْ إِلَى قَرْيَةِ القَاضِي.

وَفِي طَرِيقِهِمَا إِلَى قَرْيَةِ القَاضِي، الْتَقَيَا بِعَمِّي دَاوُد. صَاحَ الطَّاهِرُ بِسَعَادَةٍ: لِهَذَا السَّبَبِ أَتَيْتُ إِلَى هُنَا! هَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ!

بَدَا عَمِّي دَاوُد أَيْضاً سَعِيداً لِسَمَاعِ آخِرِ أَخْبَارِ الطَّاهِرِ. قَالَ: سَأُسَاعِدُكَ بِالتَّأْكِيدِ! سَأَجِدُ لَكَ مُتَدَرِّبِينَ. سَأَجِدُ لَكَ حَتَّى الزُّبَنَاءَ. سَأَجِدُ لَكَ كُلَّ مَا تَحْتَاجُهُ. لَا تَقْلَقْ!

شُكْراً لَكَ، عَمِّي دَاوُد! سَأَنْتَظِرُكَ إِذَنْ فِي مُوگَادُور. إِلَى اللِّقَاءِ، إِنْ شَاءَ اللهُ.

وَدَاعاً!

حَالَمَا رَكِبَ إِسْمَاعِيلُ وَالطَّاهِرُ جَوَادَيْهِمَا وَانْطَلَقَا عَلَى الطَّرِيقِ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ بِصَوْتٍ لَطِيفٍ:

الطَّاهِر، فِي المَرَّةِ الأَخِيرَةِ حَاوَلْتَ أَنْ تَشْرَحَ لِي عَمَلَ الخَيَّاطِ. كُنْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ. كُنْتُ أَعْرِفُ مَا يَتَطَلَّبُهُ صُنْعُ اللَّبْسَةِ. لَمْ أَشْعُرْ بِإِهَانَةٍ. لَكِنَّ شَخْصاً آخَرَ كَانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَغْضَبَ.

أَتَعْلَمُ لِمَاذَا؟ هَذَا لِأَنَّ رَأْسِي لَيْسَ مُمْتَلِئاً مِثْلَ رَأْسِكَ. تَمَنَّيْتُ لَوْ كَانَ لِي رَأْسُكَ، يَا إِسْمَاعِيل!

أَنَا لَمْ أُولَدْ هَكَذَا، آ الطَّاهِر. ذَهَبْتُ إِلَى المَدْرَسَةِ، وَبَعْدَ المَدْرَسَةِ قَرَأْتُ العَدِيدَ مِنَ الكُتُبِ وَفَكَّرْتُ فِي أَشْيَاءَ لَا يَهْتَمُّ بِهَا مُعْظَمُ النَّاسِ، وَقَدْ أَثَّرَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِي. لَنْ يَكُونَ مِنَ السَّهْلِ عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ رَأْسٌ مِثْلُ رَأْسِي. مَا تَعْرِفُهُ يَكْفِيكَ. فَقَطْ لَا تُظْهِرْ نَفْسَكَ وَكَأَنَّكَ تَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ! لَا أَحَدَ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ. نَحْنُ جَمِيعاً مُتَعَلِّمُونَ.

صَمَتَ إِسْمَاعِيلُ فَجْأَةً. وَلَكِنَّ الطَّاهِرَ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُسْتَعِدًّا لِلْوَعْظِ الآنَ، كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمَا مُتَّجِهَانِ إِلَى مَنْزِلِ وَاعِظٍ آخَرَ أَكْبَرَ مِنْهُ.

وَكَمَا تَوَقَّعَ الطَّاهِرُ، لَمْ يَنَمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَبَدَا أَنَّ إِسْمَاعِيلَ نَسِيَ بِسُرْعَةٍ نَصِيحَتَهُ الثَّمِينَةَ بِعَدَمِ الظُّهُورِ بِمَظْهَرِ مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ. لَقَدْ بَدَا فِي الوَاقِعِ وَكَأَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ القَاضِي. وَبِمُجَرَّدِ انْدِلَاعِ مَعْرَكَةِ الأَفْكَارِ الكَبِيرَةِ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَسْتَطِعِ الطَّاهِرُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنَ النَّوْمِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، حَتَّى سَمِعَ القَاضِي يَقُولُ: إِسْمَاعِيل، أَنْتَ عَبْقَرِيٌّ! لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجاً لَكُنْتُ أَعْطَيْتُكَ ابْنَتِي الصُّغْرَى وَالأَعَزَّ عِنْدِي!

وَهَكَذَا احْتَفَظَ القَاضِي بِابْنَتِهِ الصُّغْرَى وَالأَعَزِّ فِي انْتِظَارِ شَخْصٍ آخَرَ، وَعَادَ الطَّاهِرُ وَإِسْمَاعِيل إِلَى مُوگَادُور.

وَبَعْدَ أَسَابِيعَ، أَصْبَحَ الطَّاهِرُ خَيَّاطاً بِمَعْنَى الكَلِمَةِ. أَصْبَحَ المْعَلَّمْ الطَّاهِر. تَلَامِيذُهُ يُنَادُونَهُ المْعَلَّمْ. زُبَنَاؤُهُ يَقُولُونَ لَهُ مْعَلَّمْ. حَتَّى أَنَّ المْعَلَّمْ حْسِين صَارَ يُنَادِيهِ بِالمْعَلَّمْ الطَّاهِر.

وَلَكِنَّ سُرْعَانَ مَا أَصْبَحَ عَمَلُهُ رُوتِيناً. أَصْبَحَتِ الحِرْفَةُ مُمِلَّةً. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُشْعِرُ الطَّاهِرَ بِالفُضُولِ.

كَانَ الطَّاهِرُ يَعْرِفُ السَّبَبَ. كَانَ لَا يَزَالُ رَجُلاً أَعْزَباً. شَعَرَ بِالوَحْدَةِ. لَمْ تَعُدِ الأَحْلَامُ كَافِيَةً. لَمْ تَعُدِ الذِّكْرَيَاتُ، مَهْمَا كَانَتْ طَرِيَّةً، كَافِيَةً. لَا شَيْءَ يُعَوِّضُ امْرَأَةً تَكُونُ بِجَانِبِكَ، امْرَأَةً تَعِيشُ بِقُرْبِكَ لَكَ وَمَعَكَ، تَزْرَعُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي قَلْبِكَ.

وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ تَرَكَ الطَّاهِرُ كُلَّ شَيْءٍ وَرَاءَهُ وَرَكِبَ عَائِداً إِلَى قَرْيَتِهِ. ذَهَبَ رَأْساً إِلَى شَجَرَةِ النَّخِيلِ عَلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ وَعَزَفَ عَلَى أَوْتَارِهِ. ظَهَرَتِ الزَّاهِيَة مَرَّةً أُخْرَى. لَوَّحَ لَهَا بِيَدِهِ وَلَوَّحَتْ لَهُ بِيَدِهَا. وَهَذَا كُلُّ شَيْءٍ. أَخَذَ الطَّاهِرُ حِصَانَهُ وَعَادَ إِلَى عَمَلِهِ فِي مُوگَادُور. لَكِنَّهُ عَادَ بِقَلْبٍ مَلِيءٍ بِالحُبِّ وَالأَمَلِ. أَصْبَحَ عَمَلُهُ مُثِيراً مَرَّةً أُخْرَى. أَصْبَحَ وَجْهُهُ مُشِعًّا مَرَّةً أُخْرَى. وَذَهَبَ إِلَى المَسْجِدِ مَرَّةً أُخْرَى. هَذِهِ المَرَّةَ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى المَسْجِدِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي اليَوْمِ. وَكُلَّمَا ذَهَبَ إِلَى المَسْجِدِ أَكْثَرَ، كُلَّمَا شَعَرَ كَمْ هُوَ مَحْظُوظٌ.

مَضَتِ الأَيَّامُ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ حَتَّى جَاءَ يَوْمٌ تَأَثَّرَ فِيهِ الطَّاهِرُ إِلَى حَدِّ البُكَاءِ حِينَ رَأَى القَاضِي يَدْخُلُ الدُّكَّانَ. فَقَالَ لَهُ القَاضِي: ابْقَ حَيْثُ أَنْتَ، سَآتِي وَأَجْلِسُ بِجَانِبِكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ القَاضِي إِلَى المُتَدَرِّبِينَ وَقَالَ: صَبَاحُ الخَيْرِ لِلْجَمِيعِ! فَقَالَ الطَّاهِرُ لِأَحَدِ الصِّبْيَةِ: اسْرِعْ، اذْهَبْ وَأَحْضِرْ لَنَا الشَّايَ!

ثُمَّ تَحَدَّثَ القَاضِي وَالطَّاهِرُ أَثْنَاءَ تَنَاوُلِهِمَا الشَّايَ.

قَالَ الطَّاهِرُ: لَمْ أَتَخَيَّلْ أَبَداً أَنْ تَأْتِيَ! الكَلِمَاتُ تَخُونُنِي!

قَالَ القَاضِي: إِذَنْ لَا تَتَكَلَّمْ! رَكِّزْ عَلَى عَمَلِكَ! سَأُخْبِرُكَ لِمَاذَا أَتَيْتُ اليَوْمَ. حَسَناً، لَقَدْ أَتَيْتُ لِرُؤْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي دَعَا لَكَ. هَلْ تَعْلَمُ مَاذَا؟ هَذَا الرَّجُلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً صَالِحاً حَقًّا. تَخَيَّلْ ذَلِكَ! لَقَدِ اسْتُجِيبَ لِدُعَائِهِ مِنْ أَجْلِ ابْنِي عَلِي أَيْضاً! إِنَّهُ لَأَمْرٌ رَائِعٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

بَلْ هُوَ كَذَلِكَ!

لَكِنَّ القَاضِي تَنَهَّدَ. تَرَدَّدَ الطَّاهِرُ فِي سُؤَالِهِ عَنِ السَّبَبِ.

اسْتَأْنَفَ القَاضِي حَدِيثَهُ فَجْأَةً وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الفَرَاغِ:

عَلِي سَيَتَزَوَّجُ شَامَة. لِأَقُولَ لَكَ الحَقِيقَةَ، أَنَا لَسْتُ سَعِيداً بِهَذَا الزَّوَاجِ.

فَقَالَ الطَّاهِرُ مُنْدَهِشاً:

لِمَاذَا؟

لِمَاذَا؟ (تَنَهَّدَ القَاضِي مَرَّةً أُخْرَى.) سَأُخْبِرُكَ لِمَاذَا! عَلِي هُوَ ابْنِي الوَحِيدُ، كَمَا تَعْلَمُ. كُنْتُ أَرْغَبُ فِي عَرُوسٍ عَذْرَاءَ شَابَّةٍ لِابْنِي الوَحِيدِ. لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَبْقَى ابْنِي. لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ سَعِيداً إِلَّا بِمَا يَجْعَلُهُ سَعِيداً. يَجِبُ أَنْ أُشَارِكَكَهُ فَرْحَتَهُ. حَسَناً، يَجِبُ أَنْ أَذْهَبَ الآنَ.

انْتَظِرْ! أَنَا قَادِمٌ مَعَكَ!

لَا، مِنْ فَضْلِكَ! ابْقَ حَيْثُ أَنْتَ! لَدَيَّ شَيْءٌ أَفْعَلُهُ الآنَ. سَنَلْتَقِي مَرَّةً أُخْرَى هَذَا المَسَاءَ وَسَنَذْهَبُ مَعاً إِلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ. السَّلَامُ عَلَيْكُمْ!

تَنَهَّدَ الطَّاهِرُ نَفْسُهُ بِعُمْقٍ الآنَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ القَاضِي مِنَ الدُّكَّانِ. فَكَّرَ فِي حَيْرَةٍ: هَلْ كَانَ يَقُولُ الحَقِيقَةَ؟ أَمْ أَنَّهُ كَانَ يُحَاوِلُ فَقَطِ اسْتِئْصَالَ الحَسَدِ مِنْ قَلْبِي؟ كَيْفَ لَهُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّنِي سَأَحْسُدُ ابْنَهُ؟ وَلَكِنْ لِمَاذَا كَانَ مُنْزَعِجاً إِلَى هَذَا الحَدِّ؟ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي قِمَّةِ السَّعَادَةِ عِنْدَمَا عَلِمَ أَنَّ ابْنَهُ الوَحِيدَ سَيَتَزَوَّجُ مِثْلَ هَذَا الجَمَالِ الفَرِيدِ! هَلْ سَيَحْزَنُ أَبِي كَثِيراً إِذَا تَزَوَّجْتُ أَنَا مِنْ شَامَة؟ هَذَا أَمْرٌ غَرِيبٌ حَقًّا!

جَاءَ المَسَاءُ، فَأَخَذَ الطَّاهِرُ القَاضِيَ إِلَى الرَّجُلِ العَجُوزِ. قَالَ الطَّاهِرُ فِي الطَّرِيقِ: لَا أَمْلِكُ إِلَّا أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالاً، يَا قَاضِي!

أَسْمَعُكَ.

مَاذَا أَقُولُ لَكَ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ شَامَة بِعَيْنِي! تَخَيَّلْتُ أَنَّكَ سَتَكُونُ سَعِيداً إِذَا تَزَوَّجَهَا ابْنُكَ عَلِي!

شَامَة هَذِهِ نِقْمَةٌ عَلَى عَائِلَتِهَا. كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ نِعْمَةً لِعَائِلَتِي؟

أَنَا مَذْهُولٌ!

إِذَنْ اصْمُتْ، مِنْ فَضْلِكَ!

وَظَلَّ الطَّاهِرُ صَامِتاً طِيلَةَ اللَّيْلِ. حَتَّى عِنْدَمَا سَمِعَ القَاضِيَ وَالشَّيْخَ يَتَحَدَّثَانِ عَنْهُ، تَظَاهَرَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ شَيْئاً.

فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، كَانَتْ رَغْبَةُ الطَّاهِرِ كَبِيرَةً فِي أَنْ يُوَدِّعَهُ القَاضِي. لَكِنَّ القَاضِيَ، الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ الآنَ بِسَعَادَةٍ، أَلْقَى نَظْرَةً طَوِيلَةً عَلَى الطَّاهِرِ، وَقَالَ:

هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ الزَّاهِيَة سَمِعَتْ عَنْ شَامَة؟

نَعَمْ، أَعْرِفُ ذَلِكَ.

حَسَناً، الزَّاهِيَة أَصْبَحَتِ الآنَ عَاشِقَةً مُتَلَهِّفَةً. لَا يُمْكِنُهَا الِانْتِظَارُ بَعْدَ الآنَ.

هَلْ أَخْبَرَتْكَ بِذَلِكَ؟

لَمْ تَقُلْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ.

مَاذَا تَعْتَقِدُ؟

أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ الذَّهَابُ مَعِي الآنَ وَطَلَبُ يَدِهَا.

الآنَ؟

نَعَمْ.

بَعْدَ أُسْبُوعٍ، كَانَتْ عَائِلَةُ الطَّاهِرِ فِي مَنْزِلِ الزَّاهِيَة. وَكَانَ القَاضِي هُنَاكَ أَيْضاً. اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ الطَّاهِرُ وَالزَّاهِيَة فِي نَفْسِ اليَوْمِ الَّذِي يَتَزَوَّجُ فِيهِ الفِتْيَانُ وَالفَتَيَاتُ الآخَرُونَ.

قَالَتِ الزَّاهِيَةُ فِي نِهَايَةِ اللِّقَاءِ، عِنْدَمَا كَانَتْ هِيَ وَالطَّاهِرُ وَحْدَهُمَا مَعاً:

الآنَ يُمْكِنُكَ الذَّهَابُ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ تُرِيدُهُ! أَنَا فِي انْتِظَارِكَ.

سَأَذْهَبُ، وَحَيْثُمَا ذَهَبْتُ سَأَحْمِلُكِ فِي قَلْبِي.

وَزِينَة؟

أَنْتِ وَلَا أَحَدَ غَيْرُكِ.

وَشَامَة؟

أَنْتِ وَلَا أَحَدَ غَيْرُكِ.

إِذَنْ إِلَى اللِّقَاءِ! اذْهَبْ بِسَلَامٍ.

وَكَانَ سَلَاماً بِحَقٍّ. كُلُّ يَوْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ سَلَامٍ. الآنَ يُمْكِنُ لِلطَّاهِرِ أَنْ يُرَكِّزَ تَفْكِيرَهُ عَلَى صَلَاتِهِ. يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْعُرَ بِمَا يَقُولُهُ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ. يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْعُرَ بِأَنَّ اللهَ مَعَهُ. يُمْكِنُهُ الآنَ أَنْ يَشْعُرَ بِأَنَّ اللهَ كَانَ دَائِماً عَلَى يَمِينِهِ وَالشَّيْطَانَ عَلَى يَسَارِهِ. فَحَقَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَاتَ لَيْلَةٍ: يَا اللهُ! لَوْ كَانَ لَدَيَّ أَلْفُ إِلَهٍ مَا عَبَدْتُ غَيْرَكَ! يَا اللهُ! لَا أَرْضَى أَنْ أَعْبُدَ أَحَداً غَيْرَكَ! يَا اللهُ أَرْجُوكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي!

وَلَكِنَّ الطَّاهِرَ اسْتَمَرَّ فِي العَزْفِ عَلَى أَوْتَارِهِ. لَمْ يَكُنْ يَهْتَمُّ بِمَنْ كُتِبَتْ لَهُ تِلْكَ الأَغَانِي الَّتِي يُغَنِّيهَا الآنَ. فَالأُغْنِيَةُ أُغْنِيَةٌ. إِنَّهَا تُخْبِرُنَا فَقَطْ بِمَا فِي القَلْبِ. وَمَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِ الطَّاهِرِ الآنَ غَيْرَ الحُبِّ؟

لَقَدْ مَضَتِ الأَيَّامُ الَّتِي اعْتَادَ فِيهَا الطَّاهِرُ أَنْ يَنَامَ عَلَى الحَصِيرَةِ فِي غُرْفَةِ الفُنْدُقِ تِلْكَ. فَهُوَ الآنَ يَنَامُ فِي سَرِيرٍ مُرِيحٍ فِي مَنْزِلٍ صَغِيرٍ بِالقُرْبِ مِنْ مَنْزِلِ إِسْمَاعِيل. لَمْ يَكُنْ يَمْتَلِكُ المَنْزِلَ، بَلْ كَانَ يَسْتَأْجِرُهُ فَقَطْ. وَلَكِنَّ إِسْمَاعِيل قَالَ لَهُ: سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْكَ أَنْ تَثِقَ فِي مَا أَقُولُهُ. هَذَا المَنْزِلُ سَيَكُونُ لَكَ عَاجِلاً وَأَقْرَبَ مِمَّا تَظُنُّ! بَدَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ وَكَأَنَّهَا تَحْذِيرٌ، وَلَكِنْ مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ الطَّاهِرُ غَيْرَ الحُلْمِ وَالعَمَلِ الجَادِّ وَتَرْكِ البَاقِي لِلَّهِ؟

ثُمَّ جَاءَ اليَوْمُ الَّذِي طَرَقَ فِيهِ إِسْمَاعِيل بَابَ الطَّاهِرِ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ. قَالَ الطَّاهِرُ بِصَوْتِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ:

مَا الأَمْرُ؟

أَيُمْكِنُنِي الدُّخُولُ؟

تَفَضَّلْ.

جَلَسَا عَلَى مَقَاعِدَ فِي فِنَاءِ المَنْزِلِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ قَالَ إِسْمَاعِيل:

أَعْلَمُ أَنَّكَ سَتَقُولُ إِنَّ اليَوْمَ لَيْسَ الخَمِيسَ. فِي الوَاقِعِ، حَدَثَ أَمْرٌ مَنَعَنِي مِنَ الحُضُورِ أَمْسِ.

هَلْ هُنَاكَ خَطْبٌ مَا؟

لَا! لَا تُوجَدُ أَيُّ مُشْكِلَةٍ عَلَى الإِطْلَاقِ! هُنَاكَ فَقَطِ الحُلُولُ!

أَخْبَارٌ جَيِّدَةٌ إِذَنْ؟

نَعَمْ، أَخْبَارٌ سَارَّةٌ! لَدَيَّ رِسَالَةٌ لَكَ.

مِنَ الأَمِيرِ؟

مِنَ الأَمِيرِ، نَعَمْ.

مَاذَا تَقُولُ الرِّسَالَةُ؟

تَقُولُ: لَقَدْ أَخْرَجْتُ السُّمَّ مِنْكَ الآنَ، لِذَا يُمْكِنُكَ الآنَ العَمَلُ عِنْدِي فِي قَصْرِي.

رَائِعٌ! لَكِنْ-

لَكِنْ مَاذَا؟

أَعْتَقِدُ أَنَّنِي سَأَضْطَرُّ إِلَى التَّحَدُّثِ إِلَى عَرُوسِي بِشَأْنِ هَذَا الأَمْرِ.

حَسَناً! تَحَدَّثْ إِلَيْهَا، لَكِنْ لَا تَسْتَمِعْ إِلَيْهَا إِذَا قَالَتْ لَا!

سَأَرَى.

الطَّاهِر، إِذَا قُلْتَ لَا لِلأَمِيرِ فَإِنَّكَ سَتَظْلِمُ نَفْسَكَ وَزَوْجَتَكَ. لَقَدْ أَتَيْتُ فِي هَذَا الوَقْتِ المُتَأَخِّرِ لِأَنَّنِي اعْتَقَدْتُ أَنَّكَ تَحْلُمُ أَحْلَاماً لَذِيذَةً. وَتَخَيَّلْتُ أَنَّكَ سَتَسْعَدُ بِسَمَاعِ هَذَا الخَبَرِ.

إِسْمَاعِيل، فِي المَرَّةِ الأَخِيرَةِ حَذَّرْتَنِي مِنَ العَمَلِ فِي قَصْرِ الأَمِيرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

نَعَمْ، وَلَقَدْ حَذَّرْتُكَ أَيْضاً مِنْ قَوْلِ لَا لِلأَمِيرِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

حَسَناً، دَعْنِي أُنَاقِشُ الأَمْرَ مَعَ عَرُوسِي أَوَّلاً.

لَا يُمْكِنُنِي مَنْعُكَ. تُصْبِحُ عَلَى خَيْرٍ.

أَلَنْ تَبْقَى لِتَنَاوُلِ الشَّايِ؟

إِذَا كَانَ جَاهِزاً؟

لَا، لَيْسَ جَاهِزاً بَعْدُ.

إِذَنْ، دَعْنِي أَعُودُ لِلنَّوْمِ!

رُبَّمَا نَامَ إِسْمَاعِيلُ بَقِيَّةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَكِنَّ الطَّاهِرَ لَمْ يُغْمِضْ لَهُ جَفْنٌ.

وَحِينَ جَاءَ الصَّبَاحُ، بَعْدَ طُولِ انْتِظَارٍ، تَرَكَ الطَّاهِرُ كُلَّ شَيْءٍ خَلْفَهُ وَرَكِبَ جَوَادَهُ إِلَى قَرْيَتِهِ. وَالْتَقَى بِالزَّاهِيَة وَأَخْبَرَهَا بِعَرْضِ الأَمِيرِ، ثُمَّ قَالَ:

مَا رَأْيُكِ؟

فَقَالَتِ الزَّاهِيَة: لِنَذْهَبْ إِلَى القَاضِي وَنَسْأَلْهُ!

مَا دَخْلُ القَاضِي فِي هَذَا؟ لَقَدْ جِئْتُ لِأَسْأَلَكِ أَنْتِ، وَلَيْسَ القَاضِي!

أَلَيْسَ القَاضِي هُوَ الَّذِي أَخْبَرَكَ عَنِّي؟

نَعَمْ، كَانَ هُوَ.

وَهَكَذَا ذَهَبَا إِلَى القَاضِي وَأَخْبَرَاهُ بِعَرْضِ الأَمِيرِ، فَقَالَ: لَا، لَا تَذْهَبْ!

انْكَسَرَ قَلْبُ الطَّاهِرِ.

وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِمَا إِلَى مَنْزِلَيْهَا، قَالَ الطَّاهِرُ:

الزَّاهِيَة، قَالَ لِي رَجُلٌ يَعْرِفُ الأَمِيرَ جَيِّداً: اقْبَلِ العَرْضَ دُونَ تَرَدُّدٍ! وَأَنَا أَثِقُ فِي هَذَا الرَّجُلِ. أَخْشَى عَلَيْكِ آ الزَّاهِيَة!

لَا تَخَفْ، إِذَا كُنْتَ سَتَتَزَوَّجُنِي! لِأَنَّهُ إِذَا حَدَثَ لَكَ أَيُّ مَكْرُوهٍ فَسَيَحْدُثُ لِي أَيْضاً. نَحْنُ جَمِيعاً فِي نَفْسِ القَارِبِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟

لَكِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَالَ-

هَلْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي جَمَعَنَا مَعاً أَمِ القَاضِي؟ أَنْتَ تَثِقُ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَأَنَا أَثِقُ فِي القَاضِي. إِذَا كُنْتَ تَعْتَقِدُ أَنَّ حَيَاتَكَ مِلْكُكَ وَحْدَكَ، فَافْعَلْ مَا يَحْلُو لَكَ. وَإِذَا كُنْتَ تَعْتَقِدُ أَنَّ حَيَاتَكَ مِلْكِي وَحَيَاتِي مِلْكُكَ، فَاسْتَمِعْ لِي. فَأَنَا آمُلُ أَنْ أَكُونَ زَوْجَتَكَ وَأُمَّ أَطْفَالِكَ، أَلَا تَرَى ذَلِكَ؟

سَأَسْتَمِعُ إِلَيْكِ يَا عَزِيزَتِي! وَلَكِنْ سَيَكُونُ عَلَيْكِ العَوْدَةُ إِلَى القَاضِي. اطْلُبِي مِنْهُ كِتَابَةَ رِسَالَةٍ بِاسْمِنَا تَشْرَحُ لِمَاذَا لَا يَنْبَغِي لِي الذَّهَابُ إِلَى قَصْرِ الأَمِيرِ.

اتْرُكِ الأَمْرَ لِي.

بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، الْتَقَى الطَّاهِرُ بِإِسْمَاعِيل فِي مَنْزِلِهِ وَسَلَّمَهُ رِسَالَةَ القَاضِي بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ. "حَسَناً"، كَانَ هَذَا كُلَّ مَا قَالَهُ إِسْمَاعِيل، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ وَجْهَهُ كَشَفَ عَنْ قَلَقِهِ.

كَانَ قَلَقُ الطَّاهِرِ أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ. إِسْمَاعِيل لَمْ يَعُدْ يَقُولُ أَكْثَرَ مِنْ عِبَارَةِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، يَقُولُهَا بِبُرُودَةٍ مُسْتَفِزَّةٍ كُلَّمَا مَرَّا بِبَعْضِهِمَا البَعْضَ فِي المَسْجِدِ أَوْ فِي زُقَاقٍ قَرِيبٍ.

كُلُّ هَذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ أَيَّاماً أَوْ أَسَابِيعَ فَحَسْبُ، بَلْ دَامَ حَتَّى بَقِيَتْ تِسْعَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ يَوْمِ الزَّفَافِ. يَوْمَهَا رَكَضَ إِسْمَاعِيلُ كَمَا يَرْكُضُ الأَطْفَالُ إِلَى دُكَّانِ الطَّاهِرِ وَأَمْسَكَ بِذِرَاعِهِ، وَقَالَ: تَعَالَ!

وَهَكَذَا أَلْقَى الطَّاهِرُ بِضْعَ كَلِمَاتٍ عَلَى مُتَدَرِّبِيهِ وَذَهَبَ مَعَ إِسْمَاعِيل إِلَى مَنْزِلِهِ. قَالَ إِسْمَاعِيل، مُشِيراً إِلَى صُنْدُوقٍ فِي وَسَطِ غُرْفَةِ الضُّيُوفِ:

انْظُرْ! هَذَا مَهْرُ عَرُوسِكَ! إِنَّهُ مِنَ الأَمِيرِ!

أَشْرَقَ وَجْهُ الطَّاهِرِ، وَقَالَ وَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ اللهَ فِي مَكَانٍ خَالٍ:

كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِي؟

لَا! لَيْسَ مِنْ أَجْلِكَ أَنْتَ؛ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَرُوسِكَ! انْظُرْ هُنَا! هَذَا مِنْ أَجْلِكَ أَنْتَ. (أَعْطَاهُ مِحْفَظَةً.) هَذَا هُوَ المَالُ لِدَفْعِ ثَمَنِ المَنْزِلِ. أَلَمْ أَقُلْ إِنَّهُ سَيَكُونُ لَكَ قَرِيباً؟

كَانَ الأَمْرُ أَشْبَهَ بِحُلْمٍ تَحَقَّقَ. دَفَعَ الطَّاهِرُ ثَمَنَ البَيْتِ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ وَأَخَذَ المُهْرَ إِلَى مَنْزِلِ وَالِدَيْهِ. لَمْ يَسْتَطِعْ أَفْرَادُ عَائِلَتِهِ أَنْ يُصَدِّقُوا أَعْيُنَهُمْ. قَالَتْ وَالِدَتُهُ مُتَأَثِّرَةً: هَذِهِ الفَتَاةُ نِعْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ! وَأَطْلَقَتِ الزَّغَارِيدَ وَصِيحَاتِ الفَرَحِ.

وَأَخِيراً، جَاءَ يَوْمُ الزَّفَافِ. كَانَ هُنَاكَ رَذَاذٌ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ. وَكَانَتْ هُنَاكَ تْبُورِيدَة.

وَبَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، كَانَتِ الزَّاهِيَةُ تَتَعَلَّمُ التَّطْرِيزَ فِي مَنْزِلِ الطَّاهِرِ فِي مُوگَادُور. كَانَ الطَّاهِرُ مُضْطَجِعاً عَلَى شِقِّهِ بِجَانِبِهَا وَيَقْرَأُ كِتَاباً. قَالَتْ لَهُ الزَّاهِيَة وَهِيَ تُطَرِّزُ فُسْتَاناً:

مَاذَا تَقْرَأُ؟

فَأَجَابَ الطَّاهِرُ:

أَقْرَأُ قِصَّةَ حَيَاتِي.

قِصَّةَ حَيَاتِكَ؟

نَعَمْ. كَتَبَهَا كَاتِبُ الأَمِيرِ.

النهاية
  

النسخة   الإنجليزية


THE TAILOR OF MOGADOR



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire